من الأمور الغيبية التي تختلط فيها الحقائق بالأباطيل والخرافات.. عالم الجن والشياطين، حيث تسيطر مفاهيم خاطئة عن هذا العالم الخفي على عقول كثير من البسطاء في كل أرجاء عالمنا الإسلامي وتدفعنا اعتقادات باطلة إلى سلوكيات مرفوضة تمس عقيدتهم الدينية، وتضر بعقولهم وأجسادهم وعلاقاتهم بكل من يحيط بهم من خلق الله.
فما حقيقة هذا العالم الخفي من خلال ما أخبرنا به الخالق عز وجل في كتابه العزيز ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه النبوية الصحيحة؟ وما الفارق بين الجن والشياطين؟ وما الخطوط الفاصلة بين الحقائق والخرافات الشائعة عن هذا العالم الخفي؟ وكيف يحمي الإنسان نفسه من وساوس الشياطين؟ وهل يدخل الجن جسد الإنسان كما يعتقد كثير من الناس؟
هذه التساؤلات وغيرها عن عالم الجن والشياطين نحاول الإجابة عنها من خلال ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم العلماء الثقات للنصوص الدينية الصحيحة.
مؤمنون وكافرون
في البداية يوضح الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر أن الجن أو الجان عالم آخر من مخلوقات الله تعالى.. هذا العالم مغيب عن حواسنا ومداركنا، لا يرى على طبيعته ولا بصورته الحقيقية، وله قدرة على التشكل بأشكال مختلفة.. وقد أخبرنا الله تعالى عن المادة التي خلقوا منها في آيات منها قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون والجآن خلقناه من قبل من نار السموم.
والمعنى: لقد خلقنا آدم أبا البشر من طين يابس شديد السواد، صورناه بقدرتنا في أحسن صورة وأكملها.. أما الجان فقد خلقناه من قبل آدم من الريح الحارة التي تقتل، ومن هاتين الآيتين نرى أن خلق الجان سابق على خلق الآدميين.
وعالم الجان ليس كله شرا كما يعتقد كثير من الناس فالقرآن الكريم قرر في آيات كثيرة أن الجن طوائف منهم المؤمنون ومنهم الكافرون، منهم الصالحون ومنهم الفاسقون، ومن الآيات القرآنية التي أكدت ذلك قوله تعالى: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا. أي أن الجن قالوا في وصف حالهم: منا الموصوفون بالصلاح والتقوى، ومنا قوم دون ذلك في الصلاح والتقوى، فنحن في هذه الحياة الدنيا طوائف شتى وفرق متعددة كما هو الحال عند البشر.. وشبيه بهذه الآية قوله سبحانه: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا.
وقد قرر القرآن الكريم أن الجن كالإنس في التكاليف الشرعية وفي وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار.. قال تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين.
وقد جاءت النصوص القرآنية تؤكد أن طائفة من الجن استمعت أكثر من مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن الكريم، فآمنوا به وصدقوا ودعوا غيرهم إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم وحذروهم من عدم الاستجابة له.. قال تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (الأحقاف: 29 32).
وقد أخذ العلماء من هذه الآيات أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كانت إلى الإنس والجن، لأن هذه الآيات تحكي إيمان بعض الجن به صلى الله عليه وسلم، كما تحكي دعوتهم لغيرهم إلى الإيمان به.. كما تدل هذه الآيات الكريمة على أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب والعقاب وفي وجوب العمل بما أمرهم الله تعالى به، وفي وجوب الانتهاء عما نهاهم عنه.
أبو الشياطين
والجن كما أخبرنا القرآن الكريم يتناسلون كالإنس ويرون البشر دون أن يراهم البشر.. قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا.
وقال تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون.
وقد أكد كثير من المفسرين أن إبليس كان من الجن ولم يكن من الملائكة، بدليل قوله تعالى: إلا إبليس كان من الجن ولأن الملائكة معصومون بطبيعتهم من المعصية بدليل قوله تعالى: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون..
من هنا قسم العلماء الجن إلى قسمين:
قسم آمن وأصلح واستقام على أمر الله، وهو الذي استمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وقال: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا.
وقسم كفر بالحق، وانقاد للباطل، وأصر على ضلاله وطغيانه.. وهذا القسم ينتسب إلى إبليس الذي تكرر اسمه في القرآن إحدى عشرة مرة وهو أبو الشياطين وأصلهم الأول.. والشياطين جمع شيطان، وهو يطلق على كل متمرد كافر من الجن يقول الحق سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر.
ويقول سبحانه: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وساوس الشيطان وبشرنا بأننا متى خالفناه كنا ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه.. جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الشيطان قعد لابن آدم بطرق: فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتترك دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر؟ أتدع أرضك وسماك؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل وتقتل ويقسم مالك؟ فعصاه وجاهد ثم قال صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فمات كان حقه على الله أن يدخله الجنة.قرية من الجن
لكن ما علاقة الشيطان بالإنسان؟
يقول الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق: كل إنسان معه شيطان يزين له الشر والشهوات المحرمة، ويكرهه في الخير وفي الفضائل، كما أن له ملكا يهديه إلى الطاعة ويصرفه عن المعصية قال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون.
روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي ليلا، فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال مالك يا عائشة أغرت؟ قلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ قال أجاءك شيطانك؟ قلت: يا رسول الله، أومعي شيطان؟ قال: نعم.. قلت: ومع كل إنسان شيطان؟ قال: نعم.. قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم.
وجاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرين من الجن قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير.
وحول ما يعتقده بعض الناس من أن الجن يعلمون الغيب ويستعين بهم البعض لمعرفة ما خفي عن الإنسان يقول الدكتور واصل: هذه خرافات يروج لها بعض الدجالين لكي يستغلوا بها البسطاء والسذج من الناس، فالجن كالإنس لا علم لهم بالغيب، لأن علم الغيب استأثر الله تعالى به، فلا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضاه لإطلاعه على شيء من هذه الغيوب.. يقول الحق سبحانه: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا أي أن الله سبحانه وتعالى عالم الغيب، فلا يطلع عليه غيبه أحدا من خلقه إلا الرسول الذي ارتضاه واختاره من خلقه. فإنه سبحانه قد يطلعه على بعض غيوبه، ليكون ذلك معجزة له، دالة على صدقه.
فإذا ما أراد سبحانه إطلاع رسول من رسله على بعض غيوبه، سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من وسوسة الشيطان ونوازعه، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه إلى رسله بكل أمانة وصدق.