استوقفني ما نشره الكاتب والصحافي العراقي خالد القشطيني في زاويته الأثيرة في صحيفة الشرق الأوسط، حين استعاد قصة طريفة قال انها حصلت معه، واستكمل روايته بالقول: بعد بضعة أيام وصلته بالبريد أبيات من الشعر، أرسلها اليه أحد الحاضرين في جلسة ضمّت بعض الأصدقاء، ولشاعر غير معروف، ونشرها من دون أن يحدد نسبها، والحكاية وما فيها كنت قد دوّنتها في كتابي الجواهري- جدل الشعر والحياة الصادر عن دار الكنوز الأدبية في بيروت في طبعته الاولى، أوائل العام ،1997 والذي أعيد طبعه ثانية عن دار الآداب البيروتية حالياً.

الأبيات المشار اليها نظمها الجواهري وشاعت وقتها اخوانياً قبل نشرها، وهي تحت عنوان فاتنة ورسّام وأهداها الى محمد المصباح وفي الحال عُرف المقصود، إنه مظفر النواب، وكنت قد نشرت المقطوعة في كتاب صدر لي العام 1986 بالتعاون مع الجواهري الكبير في دمشق، عن دار طلاس وهو بعنوان الجواهري في العيون من أشعاره.

ولعل هذه الحكاية الطريفة تعكس الأريحية الشخصية لكل من الجواهري والنواب، وعلاقاتهما الانسانية الحميمة. وإذا ما عدت الى علاقة الشاعرين ببعضهما، فقد كانت لقاءات الجواهري بمظفر النواب محدودة وتقتصر على بعض المناسبات في اتحاد الأدباء العراقيين بعد العام ،1958 حيث كان الجواهري رئيساً له مثلما هو نقيب للصحافيين، أي رئيساً للسلطتين الثقافية والاعلامية، الأمر الذي دفع زعيم الثورة والسلطتين السياسية والعسكرية عبد الكريم قاسم الى الاصطدام بالجواهري بعد حادثة قرية الميمونة في جنوب العراق، حين كتب الجواهري في جريدته الرأي العام: ماذا جرى في الميمونة؟ يوم اعتدت شرطة قاسم على فلاّحات في محافظة العمارة ميسان، وقد نشب الاحتكاك المباشر بين قاسم والجواهري اثر مشادة دارت في وزارة الدفاع حين كان الجواهري يترأس وفداً لزيارة قاسم باسم اتحاد الادباء، الأمر الذي اضطره الى مغادرة العراق الى لبنان، ومنه الى المنفى بعد مشاركته في حفل تكريمي للأخطل الصغير (بشارة الخوري) ومن بيروت توجّه الى أوروبا، واستمر سبع سنوات عجاف على حد تعبيره في منفاه الذهبي في براغ، وعاد في أواخر العام 1968 إلى بغداد واستقبل استقبالاً شعبياً ورسمياً حافلاً.

في تلك الفترة اضطر مظفر النواب الى الهروب من العراق بعد العام 1963 الى ايران، ومكث فيها بضعة أشهر قبل أن يلقى القبض عليه ويسلّم الى السلطات العراقية، ولعل قصة هروبه هي التي دوّنها في ملحمته الرائعة وتريات ليلية، وقد أصدرت عليه احدى المحاكم العراقية حكماً بالسجن ل 20 عاماً قضاها بالدرجة الاساسية في سجن نقرة السلمان الصحراوي، ثم في سجن الحلّة، حيث تمكّن من الهرب منه في قصة النفق الشهيرة في خريف العام ،1967 وبعد 17 تموز/يوليو ،1968 أعيد إلى وظيفته حيث كان قد فُصل منها بعد 8 شباط/فبراير ،1963 لكنه اضطر للهجرة إلى خارج العراق إثر تجدد عمليات الاعتقال والإرهاب.

وبحكم صداقتي للجواهري والنواب، كنت ألحظ أن العلاقة تمتاز بالمودة والاعجاب، فالنّواب يكنّ احتراماً كبيراً وخاصاً للجواهري ولمنزلته الإبداعية والثقافية ولموهبته الشعرية الريادية، والجواهري يعتبر النواب أبرز الشعراء الشعبيين المجددين، كما ينظر بإعجاب إلى مواقفه النضالية وشخصيته الدمثة والمحببة، وظل حبل الود بين الطرفين متيناً حتى وفاة الجواهري في 27 تموز/يوليو ،1997 وإنْ اقتصرت اللقاءات على المناسبات أحياناً في براغ وطرابلس ودمشق.

وفي العام 1970 زار مظفر النواب براغ لبضعة أيام وخلال وجوده ضمتنا حفلة في مطعم أوفليكو محل البيرة السوداء الذي احتسى فيه نابليون البيرة عندما احتل براغ في أوائل القرن التاسع عشر، والطريف أن الساعة التي تزيّن واجهة المطعم قد أوقفت عقاربها وظلت واقفة لحد الآن لتحمل توقيت احتلال نابليون للعاصمة التشيكية وهو تاريخ مشوب بالمرارة، وألقى النّواب بعضاً من قصائده في جلسات خاصة رافقه خلالها الصديق جعفر ياسين، الذي غنّى بعض قصائده، بصوته الجميل.

التقى مظفر النواب بالجواهري، في مقهى سلوفانسكي دوم الشهير الذي كان بمثابة مقر للجواهري، يرتاده كل يوم تقريباً، حيث تزدان مدينة براها براغ وكأنها حلم العذراء في يقظتها جامعة كل الفصول والجمال والحُسن والفتنة، وهي التي يقول فيها الجواهري:

أعلى الحسن ازدهاءً وقعت

أم عليها الحسنُ زهواً واقعا؟

يا لصيف مُمتع لو لم يكن

غيره كان الفصول الأربعا

ممطر آناً.. وريان الضحى

مزهرٌ آناً.. وذاوٍ سَرِعا

ثم يضيف الجواهري الى فاتنات براغ في قصيدة آهات، بقوله:

مرتِ الأسرابُ تترى .. مقطعٌ

من نشيد الصيف يتلو المقطعا

وتفتحن على رأد الضُحى

حُلماً أشهى، وصحواً أمتعا

وتقاسمن الصبا ميعَتَه

وشذاهُ والهوى والمتعا

وتخففنَ فما زدن على

ما ارتدتْ حواء إلا إصبعا

رحمتا لابن زُريق لو رأى

فلكَ الأزرار ماذا اطلعا

ويقصد الجواهري هنا ابن زريق الشاعر العباسي والإشارة الواردة هنا إلى البيت التالي:

استودع الله في بغداد لي قمراً

بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

وقد التقى الجواهري، النواب مرة أخرى بعد سنوات طويلة، وكان ذلك في ليبيا أواخر الثمانينات، حيث زارها الجواهري، بدعوة وجهت له إثر نظم قصيدته يا أمتي.. يا عصبة الأمم! لمناسبة العدوان الأمريكي ضد الجماهيرية الليبية التي ألقاها في قاعة المحاضرات الكبرى في مكتبة الأسد يوم 16/4/،1986 وفي أسبوع الثقافة العراقية. وقد نشرت القصيدة للمرة الأولى في كتابنا الجواهري: في العيون من أشعاره وهي مؤلفة من 15 بيتاً. يقول فيها:

إني لأسأل قادة أذنا؟

يتخارسون بحجة الصمم

فيم الحياة ترى إذا عريت

من أخذ ثار عن دم بدم؟

يتفرجون على مقابحهم!

إذ يدعون محاسن الشيم

فلئن تعابثت الجيوش بهم

فلديهم جيش من الكلمِ

برحيل الجواهري شعر الكثير من المثقفين العراقيين لاسيما في المنافي ومنهم مظفر النواب، بأن عموداً من أعمدة الشعر العربي قد هوى وأن نجماً من نجوم الثقافة العراقية قد انطفأ.

* باحث ومفكر عربي