برع في العلوم الدينية والدنيوية، وصنف في الحديث والفقه والدراسات التاريخية، وكتب بحثاً قيماً في السيرة النبوية، وصاحب السمعاني مؤلف الأنساب في رحلاته العلمية، وحصل عن جدارة واستحقاق على لقب (محدث الديار الشامية).
الإمام الحافظ ابن عساكر (1105 1176م) أبو القاسم ثقة الدين علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدمشقي الشافعي.
ولد في دمشق سنة 499ه (أول محرم) وتوفي بها في سنة 571ه (21 من رجب) صاحب تاريخ دمشق الكبير المعروف (بتاريخ ابن عساكر). واختصره الشيخ عبد القادر بدران وحذف منه الأسانيد والمكررات باسم (المختصر تهذيب تاريخ ابن عساكر) وهو في سبعة أجزاء، وقام المجمع العلمي العربي بدمشق بطبع الجزأين الأول والثاني.
أحد أعلام الحديث، جد في طلبه منذ مطلع شبابه واجتهد في حفظه ونبغ في علوم المتن والسند.
سمع ببغداد سنة 520ه من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ورحل إلى خراسان، وطاف على مدنها ومنها نيسابور وهراة وأجهان.
تاريخ دمشق
بدأ رحلته مع العلم في سن السادسة حتى آخر يوم في حياته، سافر إلى مصر والعراق وخراسان والحجاز وغيرها من بلاد المسلمين، وعاد إلى دمشق بعد أن جمع خلاصة العلم في هذه البلاد على أيدي الأئمة الأعلام، وأصبح مدرسا بالمدرسة النورية، وألقى دروسه على مدار 40 سنة، وقصده طلاب العلم من بلاد الشام وغيرها من أقطار العالم الإسلامي.
بلغ عدد شيوخه أكثر من 1300 شيخ، صنف التاريخ الكبير لدمشق في 30 مجلدا في 25 عاما، وقد تضمن تسجيلا شاملا لتاريخ دمشق وفضائلها وخططها ومساجدها وأعلامها وتاريخ بلاد الشام، وهو على نسق تاريخ بغداد للخطيب البغدادي الذي قضى في تأليفه أكثر من 30 عاما من 529 559ه.
قال عنه حافظ مصر العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع بجمعه من ذلك الوقت، وإلا فإن العمر يقصر أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب.
ويقول د. عبد الله محمد جمال الدين أستاذ التاريخ بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي: اعتمد الحافظ بن عساكر في جمع مادة كتاب تاريخ دمشق على ثلاثة أنواع من المصادر، السماع من الشيوخ أولا، ثم المكاتبة معهم، ثم الكتب المخطوطة ومؤلفات السابقين.
وللإمام ابن عساكر مؤلفات ومصنفات عديدة في الحديث والتاريخ والفقه والشعر (أكثر من 40 كتابا) منها: سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكشف المغطى في فضل الموطا، والأشراف على معرفة الأطراف (مخطوط في الحديث 3 مجلدات)، وأربعون حديثا من أربعين شيخا من أربعين مدينة، ومعجم الصحابة، وتهذيب الملتمس من عوالي مالك بن أنس، ومعجم أسماء القرى والأمصار، ومعجم الشيوخ والنبلاء، وورقة في أصحاب الكتب الستة، وفي الظاهرية، والموافقات، وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، وتبيين الامتنان في الأمر بالاختتان، وشيوخ ابن البناء، وشيخ الحلواني.
ينتسب الحافظ بن عساكر إلى مدينة دمشق، وهي عاصمة سوريا، تطل على نهر بردى، وهي أقدم مدن العالم، استولى عليها الآشوريون والفرس، وغزاها الإسكندر الأكبر (332 ق.م) كما سيطر عليها السلوقيون، واستولى عليها الرومان (64 ق.م) وفتحها العرب بقيادة أبي عبيدة بن الجراح بعد معركة اليرموك (635م)، وكانت عاصمة الخلافة الأموية (691 750م)، غزاها هولاكو 1260م، وحاصرها تيمور لنك ونهبها في القرن الرابع عشر الميلادي، وخضعت للحكم العثماني (1516 8191م)، واحتلتها بريطانيا ،1918 ثم فرنسا (1920 1941).
ومن أهم معالم دمشق المسجد الأموي، وفيها قبور عدد كبير من الصحابة والتابعين والسلاطين والملوك والعلماء، ومن بينهم الناصر صلاح الدين الأيوبي ونور الدين محمود والظاهر بيبرس. ودمشق من أهم مراكز الحضارة العربية والإسلامية.
علم الأنساب
وعلم الأنساب من أهم فروع علوم الحديث، وموضوعه دراسة أنساب الناس، وتحديد القواعد الكلية والجزئية للنسب، ويفيد هذا العلم في إسناد الأحاديث، وأيضا في التعرف إلى شخصيات العلماء والرواة والمحدثين.
وتحديد الأنساب من الأمور التي شغلت العرب منذ عهد قديم قبل الإسلام. وكان خبراء الأنساب يتمتعون بمكانة رفيعة في المجتمع العربي، وتحول إلى علم له قواعده ومنهجه في ظل الإسلام لخدمة علوم الحديث بالدرجة الأولى.
ومن الرواد في هذا المجال الإمام النسابة هشام بن محمد بن السائب الكلبي (المتوفى 204ه)، وله خمسة كتب في هذا العلم (المنزلة، والجمهرة، والوجيز، والفريد، والملوك).
ومن أشهر الكتب في هذا العلم (أنساب الأشراف) لأبي الحسن أحمد بن يحيى البلاذري (20 مجلدا)، و(أنساب السمعاني) لأبي سعد المروزي الشافعي ويشتمل على 3 مجلدات، وقد اختصره الإمام عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري (ت630ه) في (اللباب)، واختصره أيضا الحافظ السيوفي وزاد عليه في (لب اللباب في تحرير الأنساب)، كما لخص القاضي قطب الدين محمد بن محمد الخيضري الشافعي (ت 894ه) الكتاب نفسه وسماه (الاكتساب).
ومن كتب الأنساب أيضا:
أنساب المحدثين للحافظ محب الدين محمد بن محمود بن النجار البغدادي (ت 643ه).
أنساب ابن القيسراني، الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر (ابن القيسراني المقدسي) (ت 507ه) وذيّله تلميذه أبو موسى محمد بن عمر الأصبهاني (ت 581ه) كما ذيل الذيل الحافظ محمد بن محمد بن نقطة الحنبلي البغدادي (ت 629ه).
(البيان والتبيين في أنساب المحدثين) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الزهري (ت 717ه) ويتم النسب على أساس القبيلة والوطن والمذهب.
ونسج على منوال ابن عساكر في دراسة الحديث ابنه وهو الحافظ القاسم بن علي بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، وقد زار مصر وأخذ عن أئمتها. ومن كتبه ومصنفاته: فضل المدينة، والجامع المستقصى في فضائل الأقصى (مخطوط)، والجهاد (عدد من المجالس التي أملاها). وفضل زيارة الخليل عليه السلام وموضع قبره وقبور أبنائه الكرام. وولد الحافظ الابن سنة 572ه بدمشق، وتوفي بها سنة 600ه (1133 1203م). وقال الذهبي في (تذكرة الحافظ) قال السمعاني: أبو القاسم بن عساكر حافظ ثقة متقن دين. حسن السمت جمع بين معرفة المتن والإسناد، وكان كثير العلم غزير الفضل صحيح القراءة متثبتا.
ابن عساكر الشاعر
ولم تتوقف عبقريته عند هذا الحد، بل قال الشعر ونظم القصائد:
ألا إن الحديث أجل علم
وأشرفه الأحاديث العوالي
وإنك لن ترى للعلم شيئا
يحققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرص عليه
وخذه من الرجال بلا ملال
قال أبو المواهب: لم أر مثله كان مقيما للصلاة في وقتها، حريصا على الصف الأول مداوما على الاعتكاف في شهر رمضان وعشرا من ذي الحجة.
وقال الحافظ عبد القادر: ما رأيت أحفظ من ابن عساكر.
وقال ابن النجار: أبو القاسم إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان والمعرفة.
والإمام السمعاني الذي صاحبه الحافظ بن عساكر في رحلته لطلب العلم هو تاج الإسلام الإمام الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن أبي بكر محمد بن أبي المظفر المنصور التميمي المروزي، سافر إلى معظم أقطار ومدن العالم الإسلامي حتى بلغ بلاد ما وراء النهر في وسط آسيا.
من مؤلفاته تذييل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (15 مجلدا) وتاريخ مرو (أكثر من 20 مجلدا) وكتاب الأنساب.
ولد بمرو يوم الاثنين 21 من شعبان سنة 506ه، وتوفي بها ليلة غرة ربيع الأول سنة 562ه. توفي الإمام الحافظ بن عساكر ليلة الاثنين 21 من رجب 571ه ودفن مع والده وأجداده بمقابر باب الصغير بدمشق، وصلى عليه قطب الدين النيسابوري وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين ومحرر المسجد الأقصى.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.