ليس في الكون إلا يدٌ واحدة هي المسيطرة وهي الحكيمة وهي القديرة، وما من شيء وقع في الكون إلا أراده الله، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادته سبحانه متعلّقة بالحكمة، وأفعاله عز وجل كلها متعلّقة بالحكمة، والحكمة عند ربنا عز وجل متعلّقة بالخير المطلق، وأحكامه عز وجل على قسمين:

أولا أحكام كونية: وهي أحكامه عز وجل القدرية، حيث يدبر أمور هذا الكون جميعا بقوله جل وعلا: كن، (إِنمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فما أراده الله عز وجل كان، مهما حاول الناس منعه، وما لم يرده لم يكن، مهما حاول الناس إيجاده، ومن ثم فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.

وحكمته في خلقه، واضحة للعيان، فإنه خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات خلقته وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللاً، ولا نقصاً، ولا فطوراً: (الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً ما تَرَى فِي خَلْقِ الرحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ)، وهو الذي يتحدى، فيقول عز وجل: (ثُم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) (الملك: 3 4).

ثانياً: أحكام شرعية: وهي الشرائع التي شرعها لعباده، بين لهم فيها الحلال والحرام، وهي أحكام تكليفية دينية، يترتب على الالتزام بها من المكلفين الثواب العظيم، ويترتب على المنقلبين عليها عقاب شديد، ويترتب عليها موقف المكلفين يوم الحساب، فإما إلى نار وإما إلى جنة، وهي أحكام من لدن حكيم خبير، فهي صحيحة لا غلط فيها، ولا تضارب، ولا تناقض، وهي مبنية على حكم عظيمة، وعلى غايات سديدة، واشتملت على كل خير، واحتوت على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا، فهو سبحانه الحاكم، وهو الحكيم، واليه يرجع الأمر كله: (وَمَا اخْتَلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللهِ) (الشورى: 10).

الحكيم العزيز

وورد اسم الله الحكيم 92 مرة في القرآن الكريم، لم يرد فيها ولا مرة واحدة منفردا، بل اقترن دائما باسم من أسماء الله الحسنى، وأكثر ما اقترن به من أسماء الله الحسنى اسماه العزيز والعليم، فقد اقترن باسم الله العزيز 47 مرة، واقترن باسم الله العليم ،36 واقترن باسم الله الخبير أربع مرات، واقترن باسم الله العلي مرتين، واقترن بأسماء الله: الواسع والتواب والحميد مرة لكل اسم منها، فمن اقترانه باسم الله العليم قوله تعالى: (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ومن اقترانه باسم الله العزيز قوله تعالى: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، ومن اقترانه باسم الله الخبير قوله تعالى: (الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)، ومن اقترانه باسم الله التواب قوله تعالى: (وَأَن اللهَ تَوابٌ حَكِيمٌ)، ومن اقترانه باسم الله العلي قوله تعالى: (إِنهُ عَلِي حَكِيمٌ)، ومن اقترانه باسم الله الواسع قوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً)، والدلالة واضحة من اقتران اسم الله عز وجل الحكيم بأسماء أخرى ذلك أن حكمة الله صادرة عن كونه عز وجل هو الحكيم، والعليم، والعزيز، والخبير، والتواب، والواسع.

والحكيم صيغة تعظيم لذي الحكمة، الموصوف بكمال الحكمة، وبكمال الحكم بين المخلوقات، المتصف بحكمة حقيقية، عائدة إليه، وقائمة به، كسائر صفاته، والتي من أجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، وأضل وهدى، ومنع وأعطى، فهو المحكم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته، وهو الحكيم في كل ما فعله، وخلقه، حكمة تامة اقتضت صدور هذا الخلق، وهو واسع العلم والاطلاع على مبادئ كل أمر وعواقبه، واسع الحمد، تام القدرة، يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره، قال ابن القيم: (الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة من صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره، مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة).

ولاسم الله الحكيم أكثر من معنى: منها الإحاطة وتُطلق على ذي العِلم المُطلق، العِلم الذي لا يعتوره خلل ولا جهل ولا شائبة، فهو الذي يتنزّه عن فِعل ما لا ينبغي، يضع الشيء المُناسب بالقَدَر المُناسب وفي الوقت المُناسب وبالمكان المُناسب.

ويأتي الحكيم على معنى المدقق في الأمور المتقن لها، فالحكيم كما في لسان العرب هو الذي يُحْكِمُ الأَشياء ويُحْسِنُ دقائق الصناعات ويُتقنها، وأصل الإتقان من دقة التقدير، قال تعالى: (إِنا كُل شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49).

والحكيم أيضا هو الذي يُحْكِم الأمر ويقضي فيه ويفصل دقائقه ويبين أسبابه ونتائجه، فالحَكِيمُ يجوز أَن يكون بمعنى حاكم مثل قَدِير بمعنى قادر وعَلِيمٍ بمعنى عالِمٍ، والذي يتعبد الله باسمه الحكيم يعلم أن ربه تبارك وتعالى حكيم في شرعه فيستسلم لهذا الشرع ولأمر الله عز وجل، فلا يعترض ولا يتردد في قبول أحكامه وفي التحاكم إلى دينه وشرعه، كما يقول عز وجل: (فَلا وَرَبكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتى يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِما قَضَيْتَ وَيُسَلمُوا تَسْلِيماً)، ويقول تبارك وتعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلالاً مُبِيناً).

خير الحاكمين

قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصلاً وَالذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنهُ مُنَزلٌ من ربكَ بِالْحَق فَلاَ تَكُونَن مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (الأنعام: 114)، وفي الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني عن شريح عن أبيه هانئ رضي الله عنه: (أنه لما وفد إلى رسول الله مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا. فمالك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: فمن أكْبَرُهُمُ؟ قلت: شريح: قال: فأنت أبو شريح).

والحَكم في اللغة هو الذي يحكم ويفصل ويقضي في سائر الأمور، وقيل في معناه: هو الذي يفصل بين الحق والباطل، والبار والفاجر، ويبين لكل نفس ما عملت من خير وشر، وقال القرطبي: (فالحَكَم من له الحكم، وهو تنفيذ القضايا وإمضاء الأوامر والنواهي، وذلك بالحقيقة هو الله تعالى، الذي لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه)، ولا يستحق التسمية بالحَكم إلا من كان حاكما مقسطا عادلا على قول طائفة من العلماء، فيرون أن الحَكم من صفات التعظيم والمدح.

وأما الحاكم فهي جارية على الفعل بحيث إن ذلك يقال لكل من حَكم فيقال له حاكم، أما الحَكم فذلك يقال لمن صار ذلك صفة له مع قسط وعدل، وقال بعض أهل العلم أيضا إنه لا يقال الحَكم إلا من تخصص في ذلك، يعني من حكم مرة قيل له حاكم، وأما من تخصص في الحكم فإنه يقال له حَكم كما قال الله عز وجل: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً).

وتضمن اسم الله الحكم جميع الصفات العلى والأسماء الحسنى إذ لا يكون حكما إلا سميعا بصيرا عالما خبيراً إلى غير ذلك، فهو سبحانه الحكم بين العباد في الدنيا والآخرة في الظاهر والباطن وفيما شرع من شرعه وحكم من حكمه وفي كل القضايا التي قضاها على خلقه قولا وفعلا، وليس ذلك لغير الله تعالى، ولذلك قال: (وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُم فُصلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، فلم يزل حكيما قبل أن يحكم، ولا ينبغي ذلك لغيره.

هو سبحانه الحكم وإليه الحكم، يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يحمل أحداً وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه، ويؤدي الحقوق إلى أهلها، فلا يدع صاحب حق إلا وصل إليه حقه، وهو خير الحاكمين، فهو جل جلاله لا يحتاج لشاهد قد يخطئ أو يقول زوراً، هو سبحانه وتعالى الشاهد، وهو الحاكم، وهو المنفذ، وهو سبحانه وتعالى يعلم كل شيء، فحكمه هو الحق وهو العدل، ليس له هوى، وهو يجير ولا يجار عليه، وحكمه نهائي، ولا معقب لحكمه: (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد: 41).

والعبد المؤمن لا يبتغي حكما غير الله الحكم العدل، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكانه فرجا، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها).