بطريقة بسيطة مدهشة يضعنا الكاتب الروائي السعودي محمد حسن علوان في روايته «موت صغير» أمام جملة ثنائيات تبدو منسجمة برغم تناقضها، وتبدو مفهومة متقبلة برغم أنها أحياناً خارج حدود العقل أو الذي يمكن أن يعقل في «العادة». يختزل الجانب الحكائي الأساسي في رواية «موت صغير» في حكاية سيرة ذاتية مروية و«مخطوطة» على لسان الصوفي الشهير محي الدين بن عربي منذ لحظة مولده حتى وفاته مستعرضاً المحطات الصعبة التي واجهها منذ ولادته في الأندلس وحتى وصوله إلى مكة مروراً بدمشق، وتترافق مع ذلك الجانب حكاية تلك المخطوطة - السيرة، وتنقلها من مكان إلى مكان على امتداد زمني بين عامي 610 هجرية و1433 هجرية أي سنة 2012 ميلادية.
في مساء بيروتي مشغول برائحة القهوة والانتظار الشغوف، يصل مخطوط ابن عربي عبر لاجئ سوري إلى سيدة أكاديمية تقف في الخمسين من عمرها على تل من التناقضات المنسجمة، تتجسد في انتقالها من المسيحية إلى الإسلام تحت تأثير أطروحة دكتوراه أنجزتها في باريس عن الرمز والنزعة العدمية في فكر ابن عربي، وأعلنت أمام لجنة نقاش أطروحتها إسلامها، وقررت أن تعيش في باريس لأن بيروت كما تقول لا يمكنها أن تتحمل تناقضاتها المتوازية التي تعيش داخلها في وئام.
وقد يرى القارئ بوضوح أن الروائي محمد حسن علوان نأى بنفسه غالباً عن صوت السارد، واستخدم لغة تنتمي للبيئة التي تتحدث عنها الرواية، ولعوالمها الصوفية التي ترصدها، وتنوع الكاتب في استخدام تقنية السرد، فإلى جانب الراوي الرئيسي في السيرة الذي هو ابن عربي نفسه، ظهرت عدة أصوات مختلفة تقمص كل منها دور الراوي في ظرفية معينة تبعاً لرحلة مخطوطة- سيرة الشيخ محيي الدين بن عربي، فيجد القارئ أن كل ظهور للمخطوطة في مكان ما يصحبه ظهور شخصيات جديدة، وزمن مختلف وصراعات درامية أخرى.
وفي ال «موت صغير» الذي ليس سوى الحب كما يقرر ذلك محي الدين بن عربي في مقولته الشهيرة «الحب موت صغير»، نجد أيضاً تقابلاً مع الموت الأكبر بمعنى انتقال الروح إلى بارئها لذلك الصوفي الذي اشتهر بلقب «الشيخ الأكبر، بنفس الطريقة التي يتقابل فيها برزخ ما قبل الولادة مع برزخ الحياة العادية وشهودها، وما بعد الموت الأكبر وانتظار البعث، وكذلك فإن المعرفة الكاملة التي يراها ابن عربي في البرزخ الأول يقابلها جهل يصاحب الحياة الواقعية.
فالأحداث في الرواية يبدأ سردها من زاوية رؤية في العالم البرزخي الأول قبل الولادة، وقبل شهودها في الواقع العادي، والروائي يرصدها على لسان ابن عربي حين يتحدث عن برزخيه قائلاً: «أعطاني الله برزخين: برزخ قبل ولادتي وآخر بعد مماتي. في الأول رأيت أمي وهي تلدني وفي الثاني رأيت ابني وهو يدفنني. رأيت أبي يضحك مستبشراً ببكره الذكر وزوجتي تبكي مفجوعة في زوجها المسنّ. رأيت فتيل دولة المرابطين يطفئه الموحدون في مرسيّة قبل ولادتي، ورأيت التتار يدكّون بغداد دكاً دكاً بعد مماتي. رأيت الأولياء يستبشرون بمولد سلطان العارفين والفقهاء يكبّرون لهلاك إمام المتزندقين، رأيت كل هذا بكشف الله الأعمّ ونوره الأسنى في سنوات قليلة بين برزخين، فانكشفت لي سرعة عبوري وضرورة فنائي في هذا العمر الذي ليس سوى سطر في رسالته الإلهية، لمعة شهاب في سمائه العلوية، أثر خفٍّ في أرضه الواسعة».
وحياة تلك البرازخ سهلة ولها رونقها الخاص حتى ولو كانت في محطة الموت تعني أن تكون مجرداً من إرادتك كما يقرر ابن عربي في حكايته عنها قبيل وفاته في دمشق: «ما أسهل حياة البرازخ.. أن تتأمل الحياة وأنت مجرد من الإرادة.. لا تفعل.. ولا تنفعل.. يحملك رجل وامرأة إلى بيت غريب... يجسانك ويحوقلان ثم يحجبان عنك العالم بعباءتك.. تحملك المحفّة إلى بيت مألوف.. أسمع أصواتهم وأشم روائحهم.. وإذا تحرك جفناي المسدلان لمحت وجوههم الباكية».
وفي مقابل ذلك الامتداد غير المحدود بزمن ضيق في المرحلة البرزخية الأولى، والألفة والإحساس بكنف يشبه الوطن أثناء الوجود النطفي في الرحم، ثمة تعبير عن غربة تسعى باتجاه العودة إلى حضن وطن ما، حين يصدّر الروائي محمد حسن علوان مخطوطة ابن عربي بعبارته: «كانت الأرحام أوطاننا فاغتربنا عنها في الولادة».
والأفقية المنبسطة أثناء البحث عن المعرفة وعن الأوتاد الأربعة تقابلها العمودية والعلو إلى قمة جبل سامق، حيث تتقلص تفاصيل ماهية المكان وأبعاده أثناء محاولة التعرض للنور الإلهي وللمعرفة الخاصة، وأثناء كتابة السيرة الذاتية المختزلة لكل رحلة بحث الشيخ محي الدين بن عربي:
«يصعد بي التل ويهبط بي الوادي، وأمر بالناس في القرى والحواضر، وبالوحش في القفر والخلوات، رافقني الهلال والمحاق والبدر قبل أن تقطع الجبال طريقي. وليت وجهي شطر أعلاها وصعدت.. أيام طويلة وأنا أتسلق فينقطع بي الوصول فأنزل وأبحث عن طريق أخرى، فأتسلق، ثم أجدني مشرفاً على هاوية فأعود من حيث أتيت، وأتسلق من جهة ثالثة حتى أجد منفذاً يقربني من القمة.. وكان الجوع يزداد حدة كلما صعدت إلى أعلى، إذ قلّت الأعشاب، وأصلدت الأرض.. تقرّحت أصابعي وازدادت آلامي فخففت عنها بالبكاء من حين لآخر، حتى وقفت على قمة الجبل أخيرا ونمت ليلتي الأولى في عرائه».
ذلك الجوع «المعرفي» تحرك منذ الطفولة في أعماق ابن عربي، ومنذ أن قالت له مولّدته وأمه الروحية فاطمة بنت المثنى التي ارتبط بها منذ لحظات خروجه من رحم أمه الحقيقية: «طهّر قلبك، عندها فقط يجدك وتدك».
وارتبط تحقيق مناط البحث عن الطهر القلبي المرتبط بالبحث عن الأوتاد الأربعة في حياة ابن عربي بالسفر، فالسفر هنا ليس مجرد تجوال عادي بل أضحى جزءاً من صميم عملية تحقيق الإيمان وتجسيده، تغذيه وترفده تلك ولادة ابن عربي في مدينة مرسيّة المحاصرة من قبل الموحدين: منذ أوجدني الله في مرسيّة حتى توفاني في دمشق وأنا في سفرٍ لا ينقطع. رأيت بلاداً ولقيت أناساً وصحبت أولياء وعشت تحت حكم الموحدين والأيوبيين والعباسيين والسلاجقة في طريقٍ قدّره الله لي قبل خلقي. من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار. المؤمن في سفرٍ دائم. والوجود كله سفرٌ في سفر. من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم.
رحلة ابن عربي التي انتهت بتكريسه رمزاً صوفياً معتبراً عند كل الباحثين عن المعرفة الصوفية والمريدين لعوالمها، تترافق في رواية «موت صغير» مع رحلة أخرى لمحمد حسن علوان طوال الرواية، لم يعلن بشكل مباشر عن بدايتها ولا نهايتها، وإنما اختفى خلف التفاصيل الحكائية واللغة الجميلة السلسة، والظروف الغرائبية، ليشكل شخصية ابن عربي بطريقة مختلفة عن السائد والمعروف عنها، وليخرجها من مستوياتها النخبوية، إلى مستوى حكاية الإنسان العادي حين يترافق بحثه عن معاني الحياة، مع رغباته ونزواته، وانكساراته وانتصاراته، وضعفه، وقوته.
فنرى ابن عربي في الرواية رجلاً عادياً يحب ويطلب حبه في «نظام» ابنة شيخه زاهر الأصفهاني، ثم يسترسل في حبه ليكتب ديوان شعر بعنوان «ترجمان الأشواق»، ثم ينكسر وينكفئ متألماً، حين ترفضه الحبيبة، ويكتشف بعد ذلك أنها وتدٌ من أوتاد الأرض الأربعة الذين تتلخص مهمتهم في تجسيد الإيمان، وبالتالي فلا مجال لارتباطهما.
يمكن القول إن الكاتب محمد حسن علوان قد صنع في رواية «موت صغير» نموذجاً جديداً لقراءة ظاهرة محي الدين بن عربي المثير للجدل في أوساط عدة، والمتهم في أوساط أخرى بسبب الشطحات الصوفية.
واستطاع علوان أن يجعل قارئه يخوض في حكاية جميلة ليكتشف في النهاية أنه مواجه بضرورة تكوين رأي مختلف عن شخصية قرأ عنها أو سمع عنها في وسط مختلف عن وسط الرواية وطرقها الخاصة في رسم الشخصيات.
إن علوان كان ذكياً جداً كأي روائي يكتب عن موضوع إشكالي ويريد بإصرار التفرد في الكتابة عنه دون أن يخرج من إطار أنه مجرد روائي.