من الناس من لا يفكر في أداء فريضة الحج أصلاً، سواء كان غنياً أم فقيراً، ظناً منه بأنه إذا ذهب إلى الحج فربما يموت، وقد غفل هذا عن أمر أساسي جداً، وهو أن العمل بالخواتيم، ومن سعادة الإنسان أن يختم حياته بعبادة كالحج الذي يقول عنه الرسول الله عليه وسلم: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (أخرجه الشيخان) .
- ويعني هذا الحديث أن الذي يحج لا بد أنه يتوب من الذنوب، فيرجو من الله تعالى أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فهو إذا عاد إلى بلده بعد هذه التوبة، عاد مغفور الذنب بإذن الله تعالى، وإذا مات من بعد حجته فذلك من سعادته أيضاً ومن علامة قبول حجه إن شاء الله تعالى، فلماذا التشاؤم والخوف وسوء الظن؟
- ومن الناس من يفكر في الحج، لكنه ليس مستطيعاً مالياً لأنه فقير أو عليه ديون، ومثل هذا لا يجب عليه الحج شرعاً، لأن الحج على المستطيع، ولكنه لا يقف عند هذا الحد، فيذهب ويطلب التبرع فيمد يده إلى هذا وذاك، ليعطيه نفقة الحج فيحج بمال التبرع .
- أقول لمثل هذا الإنسان: سؤال الناس أموالهم حتى لو كان على سبيل التبرع بمال الصدقة، إن كان لتسديد ديون البشر فذلك حسن ومطلوب شرعاً .
أما سؤال الناس ليتبرعوا لك بنفقة الحج فليس بحسن، لأن الحج فرضه الله تعالى على المستطيع وطالما أنت لا تملك النفقة، فلا يجب عليك الحج، والحج ينبغي أن يكون بمال حلال طيب لا شبهة فيه .
- وأقول لأولئك الذين تعودوا أن يحجوا كل عام حج التطوع: أولى بكم أن تتصدقوا بهذه الأموال على الفقراء والمحتاجين لتسديد ديونهم، ولمعالجة مرضاهم وتزويج أولادهم غير القادرين على تكاليف الزواج والعلاج .
- ومتى تصدق هؤلاء على الفقراء والمحتاجين، واستغنى الفقير والمحتاج وصار عنده فائض عن حاجته، جاز له أن يحج بذلك المال وإن كان مال تبرع في الأصل، لأن المتبرع عند ما أعطاه من زكاته فإنه أي الفقير يتصرف في ذلك المال كأنه ماله الخاص .
- أما لو طلب الفقير من الغني أن يرسله إلى الحج على نفقته، فأرسله لكنه أعطاه من زكاته، فإن ذلك عمل غير جائز، لأن أموال الزكاة لا يجوز صرفها إلا على مستحقيها وهم كما ورد في الآية الكريمة: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (التوبة: 60) .
فالحج لا يندرج تحت أي فئة من الفئات الثماني المذكورة في الآية الكريمة، وإذا كانت الجمعية ترسل الفقراء إلى الحج على نفقتها، فهي تتصرف في أموال المتبرعين وهذا يحتاج إلى إذن .
- فإذا كان المتبرع دفع إليها من الزكاة، فالزكاة للأصناف الثمانية المذكورة في الآية، وإذا كان دفع إليها من صدقاته غير الزكاة، فأمرها متروك للمتبرع نفسه، يأذن أو لا يأذن بأن تصرف على غير الأصناف الثمانية .
لكن في النهاية حتى لو أذن المتبرع للجمعية بإرسال الفقراء إلى الحج بذلك المال، فإن الفقير ليس بمطالب بالحج طالما أنه لا يملك النفقة، فلماذا يصر على الحج وهو غير مستطيع مالياً؟
وانفاق المتبرع على سد حاجات الفقير الضرورية أولى من الحج، فلماذا يتبرع بنفقة حج الفقير، ولا يتبرع ببناء سكن للفقير يأويه ويأوي عياله؟ أليس الأجر أكثر والتبرع أوقع؟