ثَمّة شروحات فكرية لاتجاهات فنية لا تحصى بسبب الانفجار الحداثوي أو ثورة الحداثة التي اختمرت وتبلورت قبل بداية القرن العشرين، وتحولت لتحمل سمة ما بعد الحداثة في أواخر القرن الذي كان المرجل الذي طبخت فيه وانفجرت أهم وأخطر النظريات الفكرية والسياسية والثقافية والعلمية، وتم تطبيقها بصيغتيها البنائية والتدميرية. إن التطبيق النهم للنظريات التغييرية الثورية، جعل من الثقافة عموماً، ومن الفنون خصوصاً، حالة (راديكالية) أخضعت إلى قانون النفي بالقدر الذي فتحت فيه آفاقاً تجريبية رحبة، أدركها مسبقاً قلة مميزة من الفنانين ذوي الرؤى المتجاوزة والطاقة الخلاقة المكتنزة.
لذلك يقول (إدوارد لويس سميث) في كتابه الحركات الفنية بعد الحرب العالمية الثانية: إن الإقبال على الفن الحديث خلق وضعاً تناقضياً لا يزال بحاجة إلى حل، لأن الفن لم يكن يخوض مرحلة تأمل الذات الجديدة وحسب، بل إن أسطورة الحداثة هي ذاتها أسطورة الثورة على ما كان راسخاً ومقبولاً.
أما الشاعر الفرنسي غيوم ابولنير فقد كان يقول: نحن الطالبين في كل مكان غمار الأفق، لسنا بأعداء لكم، لأننا نريد أن نمنحكم كل الرحاب الغريبة، حيث يزدهر السر الخفي، ويبيح نفسه لمن أراد أن يجتنبه، فهناك أوقدت نار جديدة، وتراءت ألوان لم تبصرها العين من قبل، وأورقت خيالات شفافة تريد أن تتجسد، فرحمة بنا، رحمة بالمكافحين أبداً على مشارف اللانهائية.
إن الحداثة من منظور لا شعري، تدفعنا حتماً إلى الذهاب صوب المناقشة العقلانية لموضوعاتها. إنها كما يجب أن نعترف، تحولت إلى جزء لا يتجزأ من وجودنا في العالم والمحيط الفيزيقي، بل وفي صلب جدلية الوجود ونقيضه على مستوى الحضارة والوجود الإنساني في هذا العصر الذي اخترع ديالكتيكه الأكثر فاعلية.
ولهذا الاعتراف بحتمية الحداثة لا بد أن نبدأ بملاحظة موضوعاتها التي ستبدو أبعد عن الوصفية العامة التي كانت سائدة، بل هي المدخل التحليلي للعناصر التي يتألف منها المشهد الخارجي الذي يحمل خاصيته التصويرية بالطبع. بل حتى العلاقة الرومانسية بين الفنان والعالم المحيط التي تعرضت لاهتزاز بالغ. ويعترف الفيلسوف الوضعي (برتراندرسل) أن الرومانسيين سبق وازدردوا كل ماله علاقة بالمنفعة، وكان ميلهم فيما يتعلق بأوجه الجمال في الطبيعة يتجه إلى الجمال العنيف والمترفع في البداية، وقد تحدوا أعراف عصرهم التي كانت سائدة.
كان الفيلسوف البريطاني يشير بالإصبع إلى ما أسسه كل من فان كوخ وبول غوغان، فبالنسبة إلى كوخ 1853-،1890 سنرى الخواص الأساسية التالية التي تتأسس عليها لوحته وبالتالي فنه:
أولاً: استمرار حضور الحركة المضمونية للشكل، لأن السكون عبر الضربات اللونية الهادئة والرتيبة يلغي الموضوع الذي يراه كوخ حالة ديناميكية تستمر، ما دامت حالة الضوء وحالة العتمة تتعاقبان.
ثانياً: سبر أغوار الداخل حتى لو كان الأمر يتعلق بالمكان الذي يستحيل أن يتكون بلا داخل خاص لأنه يمتلك أصلاً زمانه الخاص، ولذلك نراه يرسم مقهى من مقاهي الرصيف في ليلة شتائية خالقاً الحوار الجياش بين أضواء الشارع الليلية والطاولات الفارغة، والأمر ذاته عندما يرسم غرفته وسرير نومه والطاولة الحمراء وكراسي القش الصغيرة. إن أثاث غرفته سيبدو بمثابة أحشاء لها.
ثالثاً: ثنائية الرسم ببعدين وبثلاثة أبعاد وعلى مسطح تصويري واحد، وهنا يسعى إلى تحقيق التحام هجيني بين الشك واليقين تماماً كما فعل عندما رسم كنيسة (أو فيرز) تاركاً العلاقة بين الطريق المرسوم بضربات وحشية وببعدين الكنيسة المشيدة كأنه بناء ديكوري على مسرح الطبيعة، عرضه للاحتواء السماوي بهذا الأزرق المتحرك.
رابعاً: مبدأ اللوحة الأنا، وهو مبدأ لم يتخل عنه فان كوخ في أغلب أعماله المهمة، لأننا نستطيع أن نتلمس قوة حضوره وصوته العصبي في كل ضربة فرشاة. فلأن الانفعالية الحياتية أو السلوكية عند فان كوخ أنتجت عبر هذا التراكم اللوني تنوعاً مميزاً أوصلنا إلى فهم الحداثة المعاصرة كحالة اقتراب من المعاناة اليومية للبشر.
أما بالنسبة لبول غوغان 1848- ،1903 فهو يمثل قيماً متمردة بعناد رهيب على زمان رومانتيكي تحكمه الانطباعية، لذلك لم يتحمل أمرين في حياته: أن يبقى موظفاً صيرفياً، ومشاهداً محايداً لما اندمج به في جزر تاهيتي العذراء آنذاك بل عاش ضمير هذه الحياة البدائية.
لقد كان هروبه إلى الجزر المسكونة بالناس المجبولين على الفطرة والحياة اليومية البسيطة، وهم المحشوون بالأسرار، والمسكونون بأنواع الأرواح والأشكال والألوان، عملاً مصيرياً نقل نظرته إلى العالم من نظرة كائن لا يبالي مندهش ومعجب بالخارج، إلى نظرة فنان مصور يحلل العناصر وفق اسباب وجودها وعلة حضورها في المكان والزمان، لذلك انطوت لوحته على مواصفات اخترعها هو بالذات.
الكلب الاحمر الذي سخرت منه سيدات صالونات باريس بسبب لونه الأحمر، سوف يبدو في لوحته التي حملت اسم أريرا حضوراً طبيعياً مكملاً لتقاليد ذلك الفردوس الذي يكوِّن ذاته بالألوان التي يختارها، لأن ما رسمه غوغان عام 1893 وعرضه في صالة راوول في باريس، لم يكن مجرد حقبة من حقب حياته، بل كان أيضاً البداية التأسيسية لتشكيل عمودي مضاد للمنظور الانطباعي القائم على التوازن الدقيق بين العمودي والأفقي، ويكفي أن فناناً معاصراً لغوغان هو جورج سوراه 1859-،1891 كان يردد دائماً وهو يشير إلى لوحات غوغان: إنه المستقبل، مستقبل زمان الرسم الذي سيأخذنا إلى أبعاد مدهشة.
وعند بيكاسو سوف تأخذ الحداثة بعدها الزماني حين تندمج بفيزياء العلوم التي بدأت ترى الأشكال من خلال مفردات خطوطها التكوينية، ووفق منظور يحيط بما نراه وبما هو موجود خارج نطاق رؤيتنا البصرية. لقد فتح بيكاسو بالذات الطريق أمام التصوير المعاصر، بل لنقل إنه سيطر على العالم الخارجي وامتلك أشكاله (حسب مقولة ديكارت عندما وصف البرجوازية الصاعدة).
ولكن هل تحول التصوير على يدي بيكاسو والتكعيبيين من خادم للمادة الى سيد عليها؟ يجيب عن هذا السؤال الخطير الشاعر الفرنسي الكبير (لوي أراغون) عندما يقول: لقد فقأ بيكاسو عيون البلابل لكي يصبح غناؤها أجمل.
أما الكاتب الفرنسي روجيه جارودي في كتابه واقعية بلا ضفاف، فإنه يلخص منهاج وخط بيكاسو الفني بالعودة إلى ما قاله بيكاسو نفسه عام 1923 لماريوس دي زاياس:
إنهم يخلقون التعارض بين الطبيعة والتصوير الحديث، الطبيعة والفن شيئان مختلفان ولا يمكن أن يكونا الشيء نفسه. ونحن نعبر اليوم بواسطة الفن عن مفهومنا لما نفتقده في الطبيعة.
إذاً وكما قال بودلير في القرن التاسع عشر، إن الشاغل الأول للفنان هو إحلال نفسه محل الطبيعة والاحتجاج عليها.