تواجه معاصر الزيتون الحجرية القديمة خطر الاندثار والغياب الكامل إلا من الذاكرة الشعبية، وذلك نظراً لإنشاء المعاصر الحديثة التي بات يعتمد عليها أهل الريف كلياً . وفي الوقت الذي يترحم فيه كبار السن على حكايات بطعم زيت الزيتون حول حجر الرحى، يقبل الجيل الجديد على المعاصر الحديثة التي تتماشى مع عصر السرعة وتقدم زيتاً عالي الجودة، حيث يجري عمل المعاصر الحديثة على قدم وساق خلال هذه الفترة التي تمتد حتى أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الذي ينتهي معها موسم الزيتون والزيت .
بداية توقفنا عند معصرة عيترون الحديثة التي تفوح منها رائحة زيت الزيتون وتدخل هذه الرائحة في أرض المعصرة الاسمنتية وآلاتها وجدارنها وحتى أجساد العمال فيها، يروي صاحب معصرة عيترون الحديثة في جنوب لبنان، أحمد خليل كيف أنه استبدل المعصرة الحجرية القديمة التي كان يملكها سابقاً بالمعصرة الحديثة ذات الآلات الضخمة التي تتراصف كل واحدة منها إلى جانب الأخرى ويكون لكل منها دورها الخاص .
يتابع: كنت أمتلك معصرة حجرية اشتراها رجل من منطقة عين إبل بعشرة آلاف دولار كقطعة تراثية ترتبط بالذاكرة الشعبية، أما تكاليف المعصرة بأدواتها الحديثة فقد بلغت 300 ألف يورو، وهي تتميز بالسرعة والنظافة والقدرة الاستيعابية الكبيرة، وتبدأ معها رحلة عصر الزيتون من المكيال أو المثقال الذي يزن حصة كل زبون على حدة وأمام ناظريه، ومن الميزان تنتقل حبات الزيتون إلى جرن كبير يسع 500 كيلوغرام، ومنه تسافر باتجاه الطائرة الورقية، وهي التي تفرز جانباً أوراق الزيتون التي تسقط سهواً خلال القطاف، ومن طيارة الورق إلى المغسل الذي تنقع فيه الحبات بالمياه الفاترة ثم تدفع تلقائياً إلى المصفاة ومنها إلى العصّارة وهي المرحلة الأخيرة التي تنقسم فتحاتها إلى ثلاث: واحدة لتعريب الزيت غير المصفّى العكر وأخرى لتعريف الجفت أي النشارة الناتجة عن حص أو بزر الزيتون، وفتحة ثالثة ينزّ الزيت منها وتفوح منه رائحة مجبولة بالأصالة وطعم الزيت البلدي الذي يعتمد عليه كثيرون من أبناء المناطق الريفية لتأمين المونة من زيت الزيتون أو بيعه بسعر لا يتعدى 120 دولاراً للصفيحة .
ورداً على سؤال عن نوعية الزيت الذي يمكن الحصول عليه من المعصرة الحديثة لفت أحمد خليل إلى أن المعصرة الحديثة تنتج زيت زيتون بكر ممتاز لا تجاوز نسبة الحموضة فيه الواحد في المئة، وللحصول على زيت يتميز بطعمه ورائحته ونكهته يلزم أن يتم عصر الزيتون بعد قطافه خلال مدة تراوح بين 24 و36 ساعة على أن يحفظ الزيت في أوعية مغلفة بعيداً عن الضوء والهواء والحرارة والرطوبة . ولحمايته من الأكسدة يجب حفظه بأوعية ستانلس أو زجاج أو فخار ليحافظ على نكهته وكامل فيتاميناته مدة 18 شهراً .
يضيف: لا شك في أن المعاصر الحديثة المنتشرة بكثافة في جنوب لبنان تزيد من الطاقة الإنتاجية من زيت الزيتون، وترفع فرص تصديره وبيعه إلى الخارج بأسعار تناسب المزارع اللبناني وهو ما تبحثه وزارة الزراعة اللبنانية حالياً، إضافة إلى البحث في الاستفادة من جفت الزيتون للتدفئة والسماد وصناعة الصابون البلدي .