فهم المسلمون الأوائل، وهم أعظم أمة الإسلام، أن الإسلام دين الحرية، وكان ذلك أعظم فهم للدين الإسلامي، استمع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يأخذ حق المصري من ابن عمرو بن العاص، وهو يثبت عقيدة الحرية: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، ما أعظم عمر، وما أعظمها من مقولة بقيت على مدار الزمن حتى استقرت في صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد أربعة عشر قرناً، لأنها قانون، الحياة الذي كشف الذي عنه الإسلام، ووعيه المسلمون الأوائل، وعملوا على أساسه، بل وجاهدوا لكي يحققوه في الواقع، واستمع مرة أخرى إلى بدوي عمّر الإسلام قلبه هو ربعي بن عامر رضي الله عنه يقول لقائد الفرس الذي سأله: ما جاء بكم إلى بلادنا؟ جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
هؤلاء هم النبت الطيب لغرس رسولنا الكريم، هم الجيل الذي بناه محمد صلى الله عليه وسلم، فأحسن تربيتهم وبناءهم وصياغتهم، هم جيل البناة العظام، لم يتحدثوا عن الحرية بل مارسوها، لم يتحدثوا عن الشورى بل كانت حياتهم، وكان أمرهم شورى بينهم فتحولوا إلى أمة العدل والحرية .
وأكد علي رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين مبدأ حرية المسلمين في اختيار حاكمهم، فقد قيل له وهو على فراش الموت: نولي بعدك الحسن ابنه فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر .
ولا يختلف علماء المسلمين الآن في أننا بحاجة إلى أن نعيد التفكير ملياً فيما استقرت عليه أقوال العلماء حول مقاصد الشريعة، ليس بغرض نقضها أو الاختلاف معها، فكل ما ذكره العلماء من مقاصد للشريعة معتبر ولا خلاف عليه، ولكن ما نريد أن نعيد النظر فيه، ونمعن التفكير حوله هو ما جرى إغفاله ونراه أجدر بأن يكون أهم مقاصد الشريعة .
تخلف بعد رفعة
والحق أن بدء انتقال الحكم من الشورى إلى المبايعة بالسيف كان بمنزلة خلع لواحد من أهم مقاصد الشريعة، وبينما انهمك العلماء في التنظير والتقعيد لعلوم شتى، ولفقه عظيم، ابتعدوا أو أبعدوا عن تقعيد فقه الحرية والتنظير له، وهو الفقه المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى .
وقد سيقت الأمة عبر تاريخ طويل من الاستبداد إلى حيث هي الآن، في ذيل الأمم تخلفاً من بعد تخلف، ومن أخطر أسباب هذا التخلف مصادرة إرادة الإنسان، وكبت حريته المشروعة، فالإنسان الذي لا يملك الحرية لا يستطيع أن يصنع الحياة، والإنسان الذي يشعر بالاضطهاد وسحق إرادته وشخصيته، لا يتفاعل ولا يستجيب للسلطة، ولا لمشاريعها وسياستها، ولا يستطيع أن يوظف طاقاته، وبالتالي لا يستطيع النهوض أو التقدم .
ولكي تنهض الأمة، فلا بد من أن يحرر العقل من الإرهاب الفكري، وأن يفسح أمامه المجال واسعاً لينطلق، وليفكر وليبدع وليمارس دوره الملتزم في مجال المعرفة وتشخيص المسار .
لقد انطلق الإسلام مع الإنسان الحر المختار، فوهبه حرية الفكر، وحرية السلوك، وحرية التملك وحرية العمل، والحرية السياسية، غير أنه قرن الحرية بالالتزام المسؤولية .
إن أخطر ما يواجهه الإنسان المسلم اليوم هو الإرهاب السياسي الذي صادر إرادته وحريته، فشعوب العالم الإسلامي لا تملك مصيرها السياسي، ولا تملك حق إبداء الرأي أو مناقشة السياسة القائمة، والمشاركة في التخطيط لشؤونها ومصالحها .والإسلام أقام الحياة السياسية على أساس الحرية السياسية، أقامها على أساس الشورى ومشاركة الأمة ورقابتها للسلطة، وثبت هذا المبدأ في كتابه الكريم بقوله: وأمرهم شورى بينهم (الشورى 38) .
فقه الحرية
وعلى علماء المسلمين أن يؤسسوا لفقه الحرية، وأن يجعلوا من الحرية المقصد الأعظم للشريعة، والمسلمون بحاجة الآن إلى تقعيد جديد لأسس نظرية جديدة لمقاصد الشريعة تقوم على المفاهيم الآتية:
1- إن الوقوف عند القول بالمقاصد الخمسة التي أوردها الشاطبي في الموافقات، هو في الحقيقة تقصير في أداء واجب التدبر، وإهدار لفريضة التفكير .
2- إن التشريعات الوضعية تكاد تكون ألزمت نفسها بالعديد من المقاصد التي تضم مقاصد الشاطبي، وأجازف بالقول إنها تكاد تكون تجاوزتها، ولذلك يتلعثم الكثير من المسلمين الآن أمام محاولات إثبات أن شريعة الله (الإسلام) تتضمن ما وصل إليه الغرب من تشريعات، وهو وضع مقلوب، حيث يحاول بعض المسلمين إثبات أن شرع الله (وحاشا لله) فيه ما توصلت إليه تشريعات الإنسان في الغرب .
3- إن الدوران حول ما استقر من مقاصد للشريعة الإسلامية، يوقف حركة الاجتهاد حول المقاصد، وهي الحركة التي لا يجب أن تتوقف ما دام هناك إنسان قادر على التدبر في كتاب الله وخلق الله، ومفروض عليه إسلامياً أن يعمل فكره، كما أعمل الأسبقون فكرهم، وأن يقدم إسهامه، كما قدم الأسبقون إسهاماتهم .
4- إن الشريعة تستهدف الإنسان، وتحافظ على دينه ونفسه وعقله وماله ونسله، وهي نزلت للإنسان، وهو المخاطب بها، المطلوب منه إقامتها، المستخلف لإقامة دين الله في الأرض، والشريعة يطبقها الإنسان على الإنسان، والإنسان لا يكون إنساناً إلا إذا كان حراً، والإنسان لا يكون مسلماً إلا إذا كان حراً، فلا إسلام من دون حرية، لأن اعتناق الإسلام يجب أن يجيء نتيجة اختيار حر، فلا إكراه في الدين، والمكره على الإسلام لا يتقبل منه إسلامه، فالحرية هي مدخل اعتناق الدين، وهي مناط التكليف الشرعي، ومن لا حرية لديه لا دين له، ولا تكليف عليه .
المقصد الأسمى
والحرية هي مقصد الشريعة الأسمى، والحرية أصل، ليست مجرد مدخل إلى تحقيق الشريعة، بل هي مدخل لتحقيق إنسانية الإنسان موضوع الشريعة وهدفها .
يجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإسلام جاء ليخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، من ظلمات العبودية للعباد إلى نور العبودية لرب العباد، فأعطاه حريته، بل حرره من العبودية التي تحط من رفعة شأنه، وما حباه الله به من تكريم .
ويجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإسلام ثورة حررت الإنسان الفرد وفكت إسار المجتمع، وأشاعت فيه العدل والمساواة والتضامن والإخاء والتكافل مكان الظلم والجور وسيطرة الغني على الفقير والقوي على الضعيف .
لقد حرر الإسلام الفرد من وهم انحرافه، ومن اتباع السائد من عقائد وعادات وقيم، ودعاه إلى الاحتكام للعقل، واتباع ما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وتكريس قيم تكريم الإنسان في الحياة الدنيا قبل الآخرة .
يجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإسلام رد إلى الإنسان إنسانيته، فرفعه من مهاوي الحيوانية التي اجتاحته عصوراً طويلة إلى مصاف الإنسانية المكرمة .
ويجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإنسان مخلوق الله المكرم الذي اتخذه الله خليفة في الأرض ليعمرها وليقيم فيها العبودية لله اختياراً، لا جبراً ولا تسخيراً .
يجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإنسان هو المخلوق الحر، صاحب الإرادة الحرة، وهكذا يجب أن يسعى إلى تحقيق هذه الإرادة الحرة، وهكذا يجب أن يكون جديراً بمن شاءت قدرة الله أن يجعله حراً مختاراً قادراً وفاعلاً لأنه في كل ذلك مبتلى، ومثاب فإما جنة وحرير وإما جهنم وسعير .
ولا شك في أن قصد الشريعة الأهم هو إبطال العبودية وإطلاق الحرية وتعميقها، ذلك لأن إبطال عبودية الإنسان لغير الله فيه استرداد لحريته، وحفاظ على أمانته التي أودعت لديه من خالقه .
ونرى أن الراسخين في العلم يعرفون يقينا أن غاية الشرع الإلهي هي كرامة الإنسان وتحريره وتحقيق السعادة له في الدارين: الأولى والآخرة .