ما أصعب على الإنسان أن يشعر دائماً بأن الآخرين أكثر منه رزقاً وأفضل منه صحة، ونصيبهم من الدنيا أكثر من نصيبه بكثير . . وما أقسى على النفس أن تنظر دائماً إلى ما في أيادي الآخرين من نعم وخيرات ولا ترى ما رزقها الله بها وتشكره عليه، وما أقبح أن ينظر الإنسان إلى القليل في يد الغير ويحسده عليه ولا يشعر بالكثير مما هو تحت يديه، فهذا إنسان ابتلاه الله بنفس لا تعرف الرضا وتنظر دائماً إلى ما في أيادي الآخرين، ومثل هذه النفس المريضة هي نفس مدمرة لصاحبها، كما هي مدمرة للآخرين .
هذه هي حال الحاسد الذي يعيش حياة صعبة كلها تعاسة وشقاء بسبب عدم الرضا، الذي يجعل صاحبه لا يشبع ولا يقنع ولا يشكر الله على نعمه، وحياة الشقاء التي يعيشها الإنسان الحاسد رجلاً كان أم امرأة لا تقف عند حدود معاناته النفسية التي تتضاعف مع مرور الأيام والسنين، بل شره يتجاوزه إلى الآخرين، حيث يشهد المجتمع العربي مشكلات اجتماعية ومشاجرات لا تتوقف بين من ابتلاهم الله بداء الحسد أو بمعنى أصح عدم الرضا وبين ضحاياهم من المحسدوين، وقد شهدت منطقة بولاق الدكرور الشعبية معركة بين أفراد أسرتين سقط فيها قتيل ومصابون بسبب اتهام رجل لسيدة جارته بحسد أولاده!
بعيداً عن هذه التداعيات حاولنا رصد رذيلة الحسد في بلادنا العربية بعد أن تحولت إلى مشكلة أخلاقية واجتماعية ينتج عنها كثير من التداعيات غير المرغوبة، فماذا قال علماء الإسلام والاجتماع والطب النفسي عن رذيلة الحسد وكيفية تفادي أخطارها وتداعياتها بين الناس؟ وهل الحسد حقيقة أم يدخل في نطاق الأوهام النفسية؟ وكيف يتعامل المسلم مع الإنسان الحسود؟ وماذا قال ديننا عن الحسد؟ وكيف نحمي أنفسنا من شرور الحاسدين؟ وما تحليل علماء النفس والتربية لشخصية الحاسد؟
تداعيات اجتماعية
الدكتورة عزة كريم الخبيرة الاجتماعية والمستشارة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر تؤكد أن الحسد أصبح بالفعل مشكلة اجتماعية في بلادنا العربية، حيث يتسبب الاعتقاد الجازم في وقوع الحسد، والخوف من عيون الحاسدين في وقوع مشاجرات ومشكلات كثيرة بين الناس، فكم من جار اعتدى على جاره بسبب اعتقاده أنه يحقد عليه ويحسده، وكم من أسرة تركت مسكنها وذهبت تبحث عن آخر وتكبدت خسائر مادية كبيرة من أجل الهروب من شخص حاسد، فالحسد بلا شك يسبب مشكلات كثيرة ويسود الاعتقاد في الحسد والخوف منه أكثر في المناطق الريفية والشعبية، حيث الفقر والحاجة التي تدفع الإنسان المحروم إلى أن ينظر إلى ما في أيادي الآخرين ويتطلع إليه، وقد يكون هذا الإنسان المحتاج ليس حاسداً، ولكن حالة الحرمان التي يعيشها وتطلعه إلى ما في أيادي الآخرين يجعل البعض يصنفه في قوائم الحاسدين .
وتشير الدكتورة عزة كريم إلى أن التحليلات النفسية والاجتماعية لكثير من المشكلات وجرائم القتل التي تحدث في مجتمعاتنا العربية والإسلامية توضح أن الحسد هو الباعث الأول على كثير من الجرائم، التي نشرت الرعب والخوف في أوطاننا، وخاصة جرائم الخطف التي ظهرت في بعض بلادنا العربية وطلب فدية، فالحقد والحسد هو الذي يحرك هذه النفوس المريضة لارتكاب هذه الجرائم، كما أشارت دراسات اجتماعية نفسية أجريت مؤخراً في مصر إلى أن رذيلة الحسد تقف وراء كثير من جرائم القتل التي شهدها المجتمع المصري خلال السنوات الثلاث الماضية، كما يبدو الحسد والحقد هو الدافع الأول لما شهده المجتمع من جرائم مؤخراً أشاعت الرعب والخوف بين كل فئاته سواء من الأثرياء أو الطبقات الاجتماعية محدودة الدخل .
ورذيلة الحسد تسود بين هؤلاء الذين ضعف إيمانهم وقلت حيلتهم من الناس، حيث يلجأ هؤلاء إلى الحسد والحقد على الآخرين ممن أنعم الله عليهم لكفاحهم وعملهم المتواصل بدلاً من تقليدهم والسير على نهجهم ومحاولة تحسين أحوالهم بالكفاح المشرف والعمل المنتج والأخذ بأسباب التفوق والنجاح .
اضطراب نفسي
أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر الدكتور عادل مدني يؤكد أن الحسد يكشف عن شخصية تعاني من خلل نفسي نتيجة عدم الشعور بالرضا، ويقول: الإنسان الذي ابتلاه الله عز وجل بداء أو رذيلة الحسد هو إنسان غير مستقر نفسياً يشعر دائماً أن الآخرين أفضل منه، ولذلك تتحرك داخل هذا الإنسان غرائز كارهة حاقدة، وهي تتفاوت في درجتها من إنسان لآخر، وكلما زادت في إنسان حولت حياته إلى جحيم، فالإنسان قد يحسد إنساناً آخر على شيء لديه هو الكثير منه، قد يحسده على اقتناء سيارة يستطيع هو شراء أفضل منها، وهذا الإنسان كتب الله عليه الشقاء طوال حياته، لأنه لا يشعر بنعم الله التي أنعم بها عليه، ولا يشعر بالنعمة إلا وهي في أيدي الآخرين .
هذا الإنسان الحاسد يعيش دائماً تعيساً حاقداً على الآخرين، والحقد يدفع الإنسان دوماً إلى أن يؤنب نفسه، ويندب حظه، ويعبر دائماً عن غضبه، ويتساءل عن سر أو أسرار تفضيل هؤلاء الناس عليه .
مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يشعر بالسعادة والرضا، بل هو يعاني دائماً اضطراباً نفسياً، لأنه يفكر طوال الوقت في كيفية إبعاد هذه النعم عن الذين يبغضهم ويحقد عليهم .
والأكثر من الأمراض النفسية الخطيرة التي تلازم الحاسدين دائماً، والأمراض العضوية التي تنتج عن هذه الأمراض والهموم النفسية، فقد أثبتت دراسات طبية نفسية وعضوية أن الصراع النفسي الدائم الذي يسببه الحسد للمريض به يؤدي لأمراض عضوية خطيرة تستمر مع الحاسد طالما استمر على حقده، حيث يكون معرضاً لأمراض كثيرة وخطيرة .
والحاسد من خلال تحليل علماء النفس إنسان سوداوي لا يقنع بشيء في الحياة، مهما أعطيته من نعم الحياة فهو لا يقتنع، يكره من حوله حتى ولو كان أكثر منهم صحة وأولاداً وثراء، هو أناني لا يحب إلا نفسه، ولذلك تجده مكروهاً من كل المحيطين به خاصة إذا ما أدركوا حقيقته وعرفوا عنه هذه المصيبة التي ابتلاه الله بها، وهذا الإنسان الحاسد لا بد أن يعاني مشكلات كثيرة صحية ونفسية، لأنه يفتقد أهم عنصر لتحقيق الطمأنينة للإنسان وهو الرضا، فالحاسد لا يرضى بما تحت يده ولا بما رزقه الله به حتى ولو كان كثيراً .
تأنيب داخلي
هذا الإنسان الحاسد يحتاج كما يقول الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي إلى مساعدة، والمساعدة الحقيقية منها ما هو ديني عن طريق ربط الحاسد بخالقه، وتعريفه بالآداب والأخلاقيات الإسلامية مثل القناعة والعفة والرضا، وربطه بعقيدة القضاء والقدر التي تضفي على حياته جواً من الروحانية .
وعن نفسية الإنسان الذي يدرك أنه حاسد وكيفية تعامل من يحيطون به يقول الدكتور المهدي: الحاسد غالباً لا يمر يوم عليه دون أن يشعر بحالة تأنيب داخلي من مساوئ الحسد وأضراره التي تحدث لكل من يتعاملون معه . لذلك فغالباً ما يعيش الحاسد حياة صعبة وربما يدخل في حالات اكتئاب كثيرة لما يراه في عيون الناس وملامحهم وانطباعاتهم ومواقفهم منه فهو غالباً منبوذ منهم ممقوت يهربون منه هروبهم من النار المحرقة، ويعيش وقتها الإنسان المصاب بهذا الداء الخطير محشوراً في الزوايا الضيقة، مهملاً، محتقراً، انفض الناس من حوله .
ويرى الدكتور المهدي أن بعض الناس يسيطر عليهم وهم أن الآخرين يحسدونهم دون أن يكون هناك حسد ولا حاسدون وهؤلاء أيضاً يعانون خللاً نفسياً ويحتاجون إلى جرعات من الإيمان واليقين بأنه لا يصيب الإنسان إلا ما كتبه الله عليه .
القرآن يحذر
بعض الناس يعتقدون أن الحسد مجرد أوهام نفسية تصيب البعض . . فهل هذا صحيح؟
الفقيه الأزهري الدكتور أحمد طه ريان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء يؤكد أن الثابت من القرآن الكريم أن الحسد حقيقة وأنه يصيب الإنسان بالشر لقول الله عز وجل ومن شر حاسد إذا حسد، ولذلك لا يجوز لمسلم أن يعتقد أو يردد أنه وهم نفسي، وكل من يفعل ذلك يخرج عن دائرة الإيمان بما أخبرنا به الله في قرآنه .
والحسد نوعان:
الأول: حسد مذموم، حيث يكره صاحبه النعمة التي يتمتع بها المحسود، ولذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود هذه النعمة عند المحسود . ويتلذذ بزوال النعمة عنه وإن كان حتى لم يستفد بزوالها عنه .
والنوع الثاني: حسد غبطة حيث يتمنى الشخص أن يكون مثل من يحسده وأكثر دون أن يتمنى زوال النعمة عنه، وهذا النوع من الحسد القبول شرعاً وربما يكون مرغوباً هو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق .
وبالتالي فإن من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء، أما الحسد الذي يكره صاحبه نعمة الله على عبده وقد أحبها الله فهو نوع من معاداة الله والاعتراض على قضائه وقدره وتوزيعه للأرزاق . والكثير من التوجيهات النبوية تحثنا على أن نتجنب الحسد لأنه من مسالك الشيطان فهو أول ذنب ومعصية لله في الأرض . وقد حرصت السنة النبوية على علاج هذه الآفة علاجاً عملياً من خلال المواقف الحية بين النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الأبرار فلم يكتف النبي بأن يبين للصحابة مخاطر الحسد بل بينه من خلال تعاملاته، حيث قال عليه الصلاة والسلام: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب فلا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً .
ويؤكد الدكتور ريان أن الإيمان بقضاء الله والتسليم به يقضي على آفات النفوس ويغلق منافذ الشيطان، ويريح قلب الإنسان ويجعله فرحا بما منّ الله به على إخوانه من المسلمين ويفتح الباب أمامه إن كان يريد نعم الله فليسأل الله وببركة صفاء قلبه يعطيه الله الرزاق الوهاب .
لكن: كيف نتقي الحاسدين ونتجنب شرورهم؟
يقول الدكتور ريان: أمرنا خالقنا سبحانه وتعالى بالاستعاذة من حسد الحاسدين فقال في سورة الفلق: قل أعوذ برب الفلق . من شر ما خلق . ومن سر غاسق إذا وقب . ومن شر النفاثات في العقد . ومن شر حاسد إذا حسد . ففي هذه السورة الكريمة يأمر الحق سبحانه وتعالى رسولنا الكريم ويأمرنا جميعاً بالتبعية أن نستعيذ ونستجير ونعتصم بالله الذي فلق الليل فانشق عنه الصباح، والذي هو رب جميع الكائنات ومبدع كل المخلوقات من شر كل ذي شر من المخلوقات، لأنه لا عاصم من شرها إلا خالقها عز وجل، باعتباره المالك لها والمتصرف في أمرها والقابض على ناصيتها، والقادر على تبديل أحوالها وتغيير شؤونها، كما أمرنا أيضاً بالاستعاذة من شر الليل عندما يشتد ظلامه، ومن شر النفاثات في العقد وهن النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها من أجل السحر، ثم الاستعاذة من شرور الحاسدين الذين يستكثرون على الناس ما رزقهم الله به من صحة ومال وأولاد ويتمنون زوال كل نعم الله عنهم، فالحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره، دون أن يطلبها لنفسه ودون أن يستفيد شيئاً من ذلك .
ويضيف: ليس مطلوباً من المسلم أن يذهب إلى دجال أو ساحر أو كاهن ليعالج أو يحمي نفسه من الحسد، بل عليه أن يلجأ إلى خالقه يصلي ويصوم ويزكي ويكثر من الصدقة على الفقراء والمساكين ويتحصن بآيات القرآن الكريم ويعتقد اعتقاداً جازماً بأن النافع والضار هو الله .
على المسلم الذي يخشى الحسد أو يعتقد إصابته به أن يردد سورة الفلق التي تقيه من شرور الحاسدين والسحرة، كما يردد سورة الناس، التي تقيه من شرور الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس، فقد يكون ما يعتقده الإنسان من حسد ليس أكثر من وهم .