يقول الحق تبارك وتعالي: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»، (سورة النحل الآية: 32)، هكذا بشّر المولى - عز وجل - عباده الصالحين لحظة خروج الروح، وكأن ثواب العمل الطيب للمؤمن في الدنيا يجمع له في لحظة خروج الروح وفي ساعة النزع الأخير، حتى قال علماء السلف: إن العبد المؤمن وهو يتقلب في نعيم الجنة لا ينسى طعم وحلاوة بشارة ملك الموت له عند خروج الروح. ويعد الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة وأحداً من المؤمنين الذين طابت نفوسهم بلقاء الله، معافين من الكرب وعذاب الموت.
يذكر الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، عن رقبة بن مصقلة قال: «لما احتضر الحسن بن علي رضي الله عنه قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، قال: فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللّهم إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعز الأنفس علي. فكان مما صنع الله له أن احتسب نفسه عنده. وقيل للحسن بن علي رضي الله عنه: أتبكي ومكانك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله مكان الذي أنت به؟ فقال: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع، وفراق الأحبة».

رؤيا الحسن

وروى ابن عساكر بإسناده عن عمران بن عبد الله قال: «رأى الحسن بن علي - رضي الله عنه - في منامه أنه مكتوب بين عينيه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ففرح بذلك قال: فبلغ سعيد بن المسيب، فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا، فقل ما بقي من أجله، فلم يلبث الحسن بعدها إلا أياما حتى مات».
وقال ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية»: «فلما حضرته الوفاة قال الطبيب هذا رجل قطع السم أمعاءه». وعن أم بكر بنت المسور، قالت: «كان الحسن بن علي سم مراراً، كل ذلك يفلت حتى كانت المرة الأخيرة التي مات فيها، فإنه كان يختلف كبده».
وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: لما حضر الحسن بن علي الموت، بكی بكاء شدیداً، فقال له الحسین: ما يبكيك یا أخي، وإنما تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلی علي وفاطمة وخديجة وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان نبيه أنك «سيد شباب أهل الجنة»، ومشیت إلى بیت الله على قدميك خمس عشرة مرة حاجاً؟ وإنما أراد أن يطيب نفسه. قال: فوالله ما زاده إلا بكاء وانتحاباً، وقال: «يا أخي، إني أقدم على أمر عظیم وهول لم أقدم علی مثله قط».

سم قاتل

وأشار أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، إلى ما رواه عمير بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل من قريش على الحسن بن علي، فقام، فدخل المخرج، ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مراراً، وما سقيته مرة أشد من هذه. قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني. قال: ما أسألك شيئاً. يعافيك الله. قال: فخرجنا من عنده، ثم عدنا إليه من غد وقد أخذ في السوق (أي في سياق الموت)، فجاء حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي، من صاحبك؟ قال: تريد قتله؟ قال: «نعم. قال: لئن كان صاحبي الذي أظن الله أشد له نقمة، وإن لم يكن به ما أحب أن يقتل بريئا».
وقال محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في كتاب «سير أعلام النبلاء»: «لما احتضر الحسن بن علي رضي الله عنه قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه فصرفت عنه إلى عثمان، فلما قتل عثمان بويع علي ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخلفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت من عائشة رضي الله عنها أن أدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت نعم، فإذا مت فاطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك فإن فعلوا فلا تراجعهم، فلما مات أتى الحسين إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت نعم وكرامة، فمنعهم مروان فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه رضي الله عنه».

وصيته لأخيه

وأوصى الحسن، وهو على فراش الموت أخاه الحسين رضي الله عنهما فقال: «ادفني عند أبي» - يعني النبي صلى الله عليه وسلم- إلا أن تخافوا الدماء، فأدفني في مقابر المسلمين. فلما قبض، تسلح الحسين وجمع مواليه، فقال له أبو هريرة: أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء، فدفنه بالبقيع.
وعن أبي إسحاق قال: «رأيت أبا هريرة قائماً على باب مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم مات الحسن بن علي ويبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس مات اليوم حبّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فابكوا».
وقال محب الدين الطبري: «قال أبو عمرو وغيره توفي الحسن بالمدينة سنة تسع وأربعين وقيل خمسين في ربيع الأول وقيل: إحدى وخمسين وهو يومئذ ابن سبع وأربعين سنة منها سبع سنين مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وثلاثون سنة مع أبيه، وعشر سنين بعدها، وقيل: مات وهو ابن خمس وأربعين وغسله الحسين، ومحمّد، والعباس بنو علي بن أبي طالب ودفن بالبقيع، وروي أنه أوصى أن يدفن إلى جنب أمه فاطمة بالمقبرة فدفن بالمقبرة إلى جنبها».