في يوم من الأيام رأى ريحانة النبي، صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في منامه أنه مكتوب بين عينيه (قل هو الله أحد)، ففرح بذلك، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب، فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقل ما بقي من أجله.

يذكر مجدي فتحي السيد في كتابه الصحابة والصالحون على فراش الموت، أنه لما حضرت الحسن بن علي رضي الله عنه الوفاة بكى، فقيل له. ما يبكيك؟ فقال: أقدم على سيدٍ لم أره. (أورده القشيري في رسالته كما في الإتحاف). وقال أبو نعيم في الحلية كما في الإتحاف: لما اشتد بالحسن بن علي جزع دخل عليه رجل فقال: يا أبا محمد، ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن يفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة، وعلى جديك النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة، وعلى عميك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم، وإبراهيم، والطيب، ومطهر، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب. قال: فسُرى عنه.

ويروي رقبة بن مصقلة: لما احتضر الحسن بن علي قال: أخرجوا فراشي على صحن الدار، وقال: فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك.

ولم يا أخي؟

وقال عمير ابن إسحاق: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي نعوده، فقال: يا فلان سلني، قال: لا والله لا نسألك حتى يعافيك الله، ثم نسألك، قال: ثم دخل، ثم خرج إلينا، فقال: سلني قبل أن لا تسألني، فقال: بل يعافيك الله، ثم أسألك. قال: لقد ألقيت طائفة من كبدي، واني سقيت السم مراراً، فلم أسق مثل هذه المرة، ثم دخلت عليه من الغد، وهو يجود بنفسه، والحسين عند رأسه وقال عبدالله بن الحسين: إن الحسن كان سُقي، ثم أفلت، ثم سقي فأفلت، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلما حضرته الوفاة، قال الطبيب وهو يختلف إليه: (هذا رجل قد قطع السم أمعاءه)... فقال الحسين: (يا أبا محمد خبرني من سقاك؟)... قال: (ولم يا أخي؟).

قال: (أقتله، والله قبل أن أدفنك، أولا أقدر عليه؟ أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه؟)... فقال: (يا أخي، إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله)... فأبى أن يُسميه.

ولما حضر الحسن بن علي الموت بكى بكاءً شديداً، فقال له الحسين: (ما يبكيك يا أخي؟ وإنما تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى عليّ وفاطمة وخديجة، وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان النبى صلى الله عليه وسلم: (أنك سيد شباب أهل الجنة) وقاسمت الله مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرة حاجاً)... وإنما أراد أن يطيب نفسه، فوالله ما زاده إلا بكاءً وانتحاباً، وقال: (يا أخي إني أقدم على أمر عظيم مهول، لم أقدم على مثله قط).

قيل للحسن بن علي رضي الله عنه: أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مكان الذي أنت به؟ فقال: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع، وفراق الأحبة.

وجاء في ذخائر العقبى، عن عمر بن إسحاق قال: كنا عند الحسن فدخل المخدع ثم خرج، فقال: لقد سقيت السم مراراً ما سقيته مثل هذه المرة ولقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبها بعود، فقال له الحسين: أي أخ من سقاك؟

قال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة وإن كان غير فلا أريد أن يقتل بريئاً.

استعد لسفرك

دخل عليه جنادة بن أبي أمية في مرضه الذي توفي فيه فقال له: عظني يا ابن رسول الله.

قال: نعم، استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يجلبك، ولا تحمل هم يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أن الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة، فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل؛ وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت معونة أعانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت منك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك من لا يأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسماً آثرك.

ولم تكن تلك هي الوصية الوحيدة للحسن، رضي الله عنه، وهو على فراش الموت، فقد أوصى أخاه الحسين رضي الله عنهما، وفي ذلك يقول أبو عوانة كما في سير أعلام النبلاء، قال أبوحازم رحمه الله: لما حضر الحسن، قال للحسين رضي الله عنهما: ادفني عند أبي يعني النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تخافوا الدماء، فادفني في مقابر المسلمين. فلما قبض، تسلح الحسين وجمع مواليه، فقال له أبوهريرة: أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء، فدفنه بالبقيع.

قال مساور السعدي رحمه الله رأيت أبا هريرة رضي الله عنه قائماً على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات الحسن، يبكي، وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس مات اليوم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فابكوا. (أورده الذهبي في السير) وتوفي الحسن رضي الله عنه في سنة (50 ه) ودفن في البقيع وبكاه الناس سبعة أيام.