نتوقف في هذا اليوم مع الساعات واللحظات الأخيرة من المأساة المروعة، التي تعرض لها الصحابي الجليل والشهيد العظيم، الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، سيد شباب أهل الجنة، ومن علماء الصحابة وابن بنت رسول الله التي هي أفضل بناته، وقد أدمتْ الساعاتُ واللحظاتُ الأخيرة من حياته قلوبَ المسلمين وغير المسلمين وهزت مشاعرهم في كل أنحاء العالم، وكيف لا وهو حب الرسول صلى الله عليه وسلم والذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله تعالى من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط..» كما قال الرسول الكريم: «اللهم إني أحبه فأحبه».
يقول أبو نعيم الأصبهاني في كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»: لما نزل القوم بالحسين - رضي الله عنه - وأيقن أنهم قاتلوه، قام في أصحابه خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «قد نزل من الأمر ما ترون، وإن الدنيا قد تغيرت، وتنكرت، وأدبر معروفها، وانشمرت، حتى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء، إلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا جرماً».
وهكذا كان الحسين رضي الله عنه واضعاً نصب عينيه نصيحة أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما أوصاه والإمام الحسن قبل وفاته قائلاً: (أوصيكما بتقوى الله ولا تطلبا الدنيا، وإن طلبتكما ولا تأسفا على شيء منها زوى عنكما، افعلا الخير وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عونا).

رسائل من الكوفة

عندما بلغ أهل الكوفة أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية، وذلك سنة 60ه أرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى القدوم إليهم لمبايعته، وبلغ عدد الكتب التي وصلت إلى الحسين أكثر من خمسمئة كتاب. فخرج الحسين من مكة يوم التروية وحاول منعه الكثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم.
فهذا ابن عمر يقول للحسين: «إني محدثك حديثا: إن جبريل أتى النبي فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة منه، والله لا يليها أحد منكم أبداً وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم»، فأبى أن يرجع، فاعتنقه وبكى وقال: (استودعك الله من قتيل)، وروى سفيان بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال للحسين في ذلك: «لولا أن يزري - يعيبني ويعيرني - بي وبك الناس لشبثت يدي من رأسك، فلم أتركك تذهب». وقال عبد الله بن الزبير له: (أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (عجّل الحسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني). (رواه يحيى بن معين بسند صحيح).

بكاء ابن عباس

ويروي مجدي فتحي السيد في كتاب «الصحابة والصالحون على فراش الموت»، أن ابن عباس رضي الله عنهما قال للحسين: «إني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان، وإني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون». وقال ابن عباس للحسين: «إنك قد كبرت. ولولا أن يزرى بي وبك، لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنك تقيم، إذاً لفعلت»، ثم بكى، وقال: «أقررت عين ابن الزبير»، ثم قال بعد ذلك لابن الزبير: «قد أتى ما أحببت، أبو عبدالله (أي: الحسين)، يخرج إلى العراق، ويتركك والحجاز».
ويذكر الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، عن ابن أبي نعم، قال: «كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق. قال: انظر إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم یقول: «هما ریحانتاي من الدنيا».
وعن عائشة أو أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها، فقال: إن حسينا مقتول، وإن شئت أريتك التربة».
قال الحسين رضي الله عنه في يوم قتله: «اللّهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت فيما نزل بي ثقة، وأنت ولي كلّ نعمة، وصاحب كل حسنة...». وقتل الحسين أحب أهل الأرض يوم قتل إلى أهل السماء.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم نصف النهار، أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم. قلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه. فأحصي ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذ».