حوار:جمال سالم

يعد المستعرب والمستشرق الروسي «فاليري كوستين» من القلائل الذين أفنوا حياتهم في دراسة وتدريس «لغة الضاد» في بلاده وخارجها، فضلاً عن أنه من المغرمين بالتراث العربي والإسلامي وترجم بعضه إلى لغة قومه بإتقان وبراعة حتى حصل نتيجة لجهوده على عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة المعروف باسم «مجمع الخالدين»، كأول روسي يحصل على هذه العضوية، من هنا تأتي أهمية الحوار معه حول العديد من القضايا المهمة التي تم التطرق إليها في هذا الحوار الذي أجريناه معه أثناء حضوره المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية. وفيما يلي تفاصيل الحوار:

متى بدأ اهتمامك بدراسة اللغة العربية حتى أصبحت عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة؟

- رغم أن بداية دراستي كانت في إحدى المدارس الخاصة باللغة الفرنسية، إلا أنه حدث تغير جذري في حياتي بعد التحاقي بقسم اللغة العربية في جامعة موسكو من شدة حبي لمعرفة هذه اللغة، ثم عملي بعد التخرج مترجماً للغة العربية في السفارة السوفييتية في القاهرة وزاد ارتباطي بالعربية بعد التحاقي بالعمل في قسم تحرير القواميس العربية في دار «الموسوعة السوفييتية»، وبعدها في دار اللغة الروسية التي كانت تصدر القواميس ب 65 لغة أجنبية بينها العربية، وقمت بتحرير كل القواميس العربية التي صدرت في تلك الفترة، وأثناء ذلك سافرت للقاهرة لمزيد من الدراسة المكثفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة قسم اللغة العربية خلال عام واحد وألَّفت العديد من الكتب لتعليم العربية لغير الناطقين بها خاصة للروس.. وأصبحت عاشقا للعربية، وتسعدني جداً عضوية «مجمع الخالدين» وأحرص على حضور مؤتمراته السنوية.

المستعرب والمستشرق

تلقب ب «المستعرب» و«المستشرق» فما الفرق بينهما؟

- المُستَعرِب: اسم فاعل مِن «اسْتَعْرَبَ»، وهو الأجنبي الذي تعلم اللغة العربية وآدابها، ورغم أنه من غير العرب إلا أنه اهتم بأدبهم وحضارتهم وثقافتهم.

أما المُستَشرِق فهو: اسم فاعل مِن «اسْتَشْرَقَ» وعادة ما يطلق على الغربيين المختصين باللغات الشرقية والمهتمين بالآداب والعلوم الشرقية حتى صار الواحد منهم من كثرة علمه بالشرق كأنه شرقي، ويطلقها البعض على المهتمين بالدراسات والعلوم والتراث الشرقي عموما بما فيه تراث ولغات العرب والمسلمين.

من هم أبرز المستعربين والمستشرقين الروس الذين تأثرت بهم؟

- لست مبالغاً إذا قلت إنني تأثرت بكل المستعربين والمستشرقين الروس بدرجات مختلفة، ويأتي في مقدمة هؤلاء الذين كرسوا أنفسهم لدراسة اللغة العربية كراتشكوفسيكي، وهو واحد من المؤسسين الكبار لمدرسة الاستشراق الروسي، وغيره الكثير ممن أدين لهم بالفضل بشكل مباشر في حبي للغة الضاد والقراءة عن الوطن العربي بصفة عامة، إلا أن ارتباطي الوثيق بأستاذي «بارانوف» مؤلف أكبر وأشهر قاموس عربي - روسي معروف في العالم لعب دورا كبيرا في مسيرتي، حيث يُعتبر بارانوف مؤسس مدرسة اللغة العربية في موسكو ومن رواد العمل المعجمي.

باعتباركم من المستشرقين والمستعربين غير المسلمين.. أيهما أكثر إنصافا للإسلام والمسلمين: الاستشراق الروسي أم الغربي؟

- بكل موضوعية يعد الاستشراق الروسي أكثر موضوعية باستثناء فترات الصراع وهي قليلة مقارنة بفترات الصراع الإسلامي - الغربي الذي امتد لقرون طويلة وارتبط بالاستعمار، ومازال موجوداً بصور أخرى في ضوء نظرية صراع الأديان والحضارات والتوظيف الحديث لأشكال الاستشراق الغربي ضد الإسلام والمسلمين، بل إنه يعد إحدى الأدوات الرئيسية التي يستند إليها صانع القرار الغربي فيما يتعلق بالتحركات الغربية تجاه الإسلام والمسلمين.

علاقة قديمة

متى بدأت علاقة الاستشراق الروسي بالعالم الإسلامي؟

- للعلم فإن علاقات روسيا بالمناطق التي يقطنها مسلمون قديمة نظراً للقرب الجغرافي واختلفت الآراء حول بدايته إلا أن بعض المؤرخين يعيده إلى أيام الدولة العباسية، حيث كان هناك تبادل لما يطلق عليه اليوم سفارات، فضلاً عن أن الفتوحات الإسلامية في العصور المختلفة وصلت إلى المناطق المتاخمة لروسيا ثم دخلتها من خلال ضم روسيا لبعض المناطق التي يقطنها مسلمون، وخاصة أثناء فترة الحكم السوفييتي، حيث ازداد الاهتمام بالإسلام والعالم الإسلامي، كما اختلفت علاقة روسيا بالعالم الإسلامي في ضوء علاقتها بالإمبراطورية العثمانية التي تتاخم الحدود الروسية مباشرة، وقد شهدت هذه العلاقة فترات من المد والجزر حسب الظروف الدولية، وكان دور الاستشراق الروسي في كل المراحل نشطاً.

حاول الاستشراق الغربي إظهار علاقة الإسلام بالغرب على أنها علاقة عداء دائم له جذور تاريخية من بداية الدولة الإسلامية نفسها.. هل هذه النظرة موجودة لدى المستشرقين الروس فيما يتعلق بعلاقة روسيا بالإسلام والعالم الإسلامي؟

- رغم أن فترات الصراع بين روسيا والعالم الإسلامي قليلة مقارنة بفترات الوفاق إلا أن هذا الصراع وأشهره الصراع بين روسيا والدولة العثمانية كان صراعاً سياسياً، ولم يكن بدافع ديني ولم يأخذ الصبغة الدينية كأن يقال إنه عداء بين المسيحية الشرقية والإسلام مثلما تم تصوير الصراع بين الإسلام والغرب وأدى إلى قيام حروب ألبسها الغرب رداء الدين، وسميت بالحروب الصليبية، رغم أن دوافعها الحقيقية سياسية وليست دينية فقط، كما حاول البعض توصيفها، وحتى في هذه المراحل من الصراع العثماني - الروسي لم يكن العرب طرفاً رئيسياً فيه لأنهم كانوا تحت السيطرة العثمانية ولم تتوجه الجيوش الروسية في أي عصر لغزو أراضي العالم العربي، كما فعل الغرب، وبالتالي فإن أهم ما يميز الاستشراق الروسي عن الاستشراق الغربي إنه لم ينطلق من أرضية وإنما كان دافعه في الغالب معرفياً وثقافياً وشجعته الحكومات لمعرفة التراث العربي والإسلامي، وخاصة أن بعض الأقاليم التي يدين أهلها بالإسلام خضعت للسيطرة الروسية وخاصة في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.

تعايش سلمي

هل تعايش المسلمون والروس لفترة طويلة مما أدى إلى اندماجهم وخاصة في ظل الاختلاف في التراث والمرجعية الدينية؟

- علاقة الشعب الروسي بالمسلمين القاطنين في روسيا أو بجوارها تميزت في غالبية العصور بالتعايش السلمي، وكانت التوترات قليلة باستثناء الفترة السوفييتية التي عاناها كل أتباع الأديان وليس المسلمين فقط لأن الحكام كانوا يرون أن الدين أفيون الشعوب، ولهذا فإن الحل في اللادين ولهذا ضيقوا على كل أصحاب الديانات، أما ما عدا ذلك فقد كان هناك قدر من التفاهم والتعاون مع احتفاظ كل شعب بثقافته وموروثاته الدينية حتى إن بعض المستشرقين الروس المنصفين، أكدوا أن التراث الشرقي الإسلامي هو جزء من تراثهم، وأنا أضم صوتي إلى أصوات هؤلاء وأؤكد أن تراث مسلمي روسيا جزء من تراثنا ونعتز به.

نود التعرف الى بعض المحطات المهمة في مسيرة التواصل بين الثقافتين العربية والروسية؟

- كما قلت الاهتمام الروسي بالتواصل الثقافي مع العالمين العربي والإسلامي قديم، باعتبار أن روسيا فيها جزء أوروبي وآخر آسيوي ولها جيران مسلمون بعضهم جذوره عربية، ومنهم من استقر في روسيا منذ عصور مبكرة، ولهذا نجد مثلاً أن أول مطبعة عربية في روسيا أنشئت عام 1722، وزاد الاهتمام بالتواصل بصورة أكبر مع تأسيس كلية اللغات الشرقية وصدور ترجمات روسية لبعض كتب التراث العربي وإنشاء كراسي اللغات الشرقية في بعض الجامعات الروسية منذ بداية القرن التاسع عشر وكانت جامعة خاركوف سباقة إلى ذلك حيث قامت عام 1804 بإنشاء كرسي لتدريس اللغات الشرقية وتبعتها جامعة قازان بكرسي لتدريس الألسنة عام 1811م، وصدور ترجمات روسية للقرآن الكريم وكتب الأحاديث النبوية، وهذا يؤكد عمق العلاقة الثقافية بين روسيا والعالم العربي، والتي تطورت بشكل كبير في القرن العشرين، حيث كانت العلاقات السياسية قوية، ويكفي أن نذكر أن مفهوم اللغات الشرقية عند عامة الروس تعني لغات الشرق الإسلامي، وخاصة اللغة العربية.

قواميس عربية - روسية

ما الدور الذي لعبه المستعربون الروس في توطيد العلاقات العربية - الروسية؟

- لعب المستعربون الروس دوراً مهما في خدمة اللغة العربية بما قدموه من مؤلفات وبحوث، ورغم أن لسانهم الأول ليس العربية إلا أنهم أحبوا العربية وألَّفوا بها، وكان دافع بعضهم أكاديمياً وثقافياً بحتاً في حين نشط آخرون من خلال تشجيع الخارجية الروسية لهم في توطيد علاقتهم بالعالم العربي، خاصة أن هذه العلاقات كانت جيدة في مجملها وفترات التوتر فيها قليلة، وهذا بلا شك أدى إلى تنشيط حركة ودور المستعربين من خلال التدريس والترجمة والتأليف وعمل قواميس عربية - روسية ويوجد في روسيا حاليا أكثر من ثلاثين مؤسسة تعليمية عليا يدرس الطلاب الروس فيها اللغة العربية، ولا يمكن الفصل بين اللغة العربية ودراسة الدين والتراث العربي والإسلامي.

طالما تحدثت عن الإسلام فما هو واقعه اليوم في روسيا؟

- تحظى الأديان السماوية كلها في روسيا بالاحترام والتقدير من القائمين على الحكم، وفي الوقت نفسه هناك حماية دستورية للجميع في إقامة شعائرهم، ولعل هذا ما جعل من يؤمنون بالدين الإسلامي في روسيا يعيشون في سلام، ويزيد عددهم على العشرين مليون نسمة ونسبتهم قرابة 13 بالمئة من إجمالي سكان روسيا.

يقال إن الاهتمام باللغة العربية في روسيا بدأ منذ وقت مبكر بقرار قيصري.. هل هذا صحيح؟

- هذا الكلام صحيح، حيث تؤكد المراجع أن أول معلم عربي للغة العربية في روسيا بشكل رسمي كان المعلم المصري الشيخ «محمد عياد الطنطاوي»، وقد جاء إلى روسيا بدعوة من القيصر الروسي، وقام بإلقاء محاضراته في مدينة بطرسبورج الشهيرة، وظل يدرس اللغة العربية للروس حتى وفاته في روسيا، ومازالت مخطوطات الشيخ الطنطاوي موجودة حتى الآن ووصل الأمر إلى أن الأكاديمي الروسي الشهير «إغناطيوس كراتشكو فسكي» ألف كتبا عن مسيرة الشيخ محمد عياد الطنطاوي، باعتباره المحترف الأول في تدريس اللغة العربية وانتشارها بعد ذلك.

أهداف سياسية - ثقافية

الاستعراب الروسي الذي بدأ كما قلتم منذ بداية القرن التاسع عشر.. هل كانت له توجهات سياسية أم أن هدفه ثقافي في المقام الأول؟

- لا تتعجب إذا قلت لك إن الاستعراب الروسي خدم في الجانبين، حيث ارتبط بعض المستعربين بالعمل السياسي الذي تديره وزارة الخارجية وسفاراتها وقنصلياتها في العالم وهدفهم خدمة القرار السياسي والمصالح الروسية في الخارج، وعلى الجانب الآخر كان هناك فريق من المستعربين العاشقين للدراسات الشرقية من منطلق أكاديمي، وحرص غالبية المستعربين على استقلالهم في عملهم وقد تواصل هؤلاء مع الوافدين العرب من جانب، وكذلك المسلمين الذين يجيدون العربية ويعتزون بتراثهم الإسلامي في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى خاصة وأن من أبناء هذه المناطق من سطروا أسماءهم بأحرف من نور في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

من خلال معرفتكم بتاريخ الحضارة الإسلامية ماذا تقولون لمن ينكر فضلها ويدعو لمحو تراثها بل ويربطه بتخلف المسلمين؟

- رغم أنني غير مسلم إلا أنني أعتز بمعرفتي بتراث العرب والمسلمين، وأؤكد أن الحضارة الإسلامية كان لها فضل كبير على البشرية حيث قامت بنقل وتطوير مختلف العلوم النظرية والتطبيقية بل إنها كانت حلقة وصل مستنيرة بين الحضارات السابقة واللاحقة، وقد اعترف كثير من المستشرقين المنصفين من غير المسلمين في الشرق والغرب بذلك، وبالتالي فإن من ينكر ذلك يكون مفتقدا للموضوعية والإنصاف الذي يجب أن يتحلى به الباحثون.