وسط حالة من استمرار التدهور الأمني وغياب التوافق السياسي المأمول مع تمسك الأكراد في شمال العراق بالانفصال عن الوطن الأم وتكوين دولة كردية، انتخب البرلمان العراقي يوم الخميس 24 يوليو/تموز 2014 -بعد جولتين من التصويت- فؤاد معصوم رئيساً جديداً خلفاً للرئيس المنتهية ولايته جلال الطالباني، حيث حصل فؤاد معصوم في الجولة الثانية على 211 صوتاً وحصل منافسه حسين الموسوي على 17 صوتا، فيما بلغ عدد المصوتين 269 نائباً والأصوات الصحيحة 228 والأصوات الباطلة 41 بطاقة، علماً بأن معصوم لم يستطع أن يحقق الأغلبية المطلوبة من الجولة الأولى التي حصل فيها على 175 صوتاً في مقابل 37 صوتاً لمرشحة "ائتلاف دولة القانون" حنان الفتلاوي، و10 أصوات لمرشح "التحالف المدني" فائق الشيخ علي .
طبقاً للدستور العراقي فإن منصب رئيس الدولة - وهو منصب شرفي أكثر منه تنفيذياً - من نصيب الأكراد، ولذا لم يكن غريباً ما جرى قبل يوم واحد من انتخاب فؤاد معصوم رئيساً من عقد نواب التحالف الكردستاني اجتماعاً في مقر التحالف ببغداد للتصويت على مرشحهم التوافقي لمنصب رئيس الجمهورية، حيث حصل فؤاد معصوم على 30 صوتاً، بينما حصل منافسه الأبرز برهم صالح على 23 صوتاً، مما جعل معصوم المرشح الوحيد والرسمي للتحالف ومن ثم كانت فرص فوزه بمنصب الرئيس مؤكدة، ومن الجدير بالذكر أن الدكتور فؤاد معصوم ولد في مدينة كوية في شمالي العراق عام ،1938 وهو رفيق درب الرئيس جلال طالباني، وقد تلقى تعليمه في المدارس الدينية بكردستان حتى بلغ ال18 عاماً، ثم توجه في العام 1958 إلى العاصمة المصرية القاهرة ليكمل تعليمه العالي في جامعة الأزهر، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة الأزهر عام ،1975 وعمل أستاذاً في كلية الآداب بجامعة البصرة، كما تولى معصوم رئاسة مجلس كتابة الدستور العراقي عقب سقوط نظام صدام حسين، وهو من مؤسسي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام خمسة وسبعين من القرن الماضي، الذي يتزعمه جلال طالباني الرئيس السابق للعراق .
وعلى الرغم من حالة التفاؤل التي سادت الأوساط العراقية بعد الانتهاء من معضلة انتخاب الرئيس الجديد، إلا أن هذه الحالة لم تستمر سوى سويعات قليلة بعدما أثار عدد من وسائل الإعلام العراقية فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي موضوع حمل الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم الجنسية البريطانية، مما يشير إلى إمكانية المطالبة بإقالته من منصبه، استنادا إلى المادة 18 من الدستور العراقي، التي تجيز تعدد الجنسية إلا أنها تفرض على من يتولى منصباً سيادياً التخلي عن أية جنسية عدا العراقية، وهو ما لم يقم به الرئيس فؤاد معصوم حتى الآن .
تدهور الوضع الأمني
رغم نجاح البرلمان العراقي في اختيار فؤاد معصوم رئيساً للدولة إلا أن هذا الأمر ما زال مجرد خطوة فقط في طريق طويل من الضبابية السياسية، فهناك إجماع بين خبراء السياسة والأمن داخل وخارج العراق على أن استمرار غياب التوافق السياسي بين الفرقاء الذين يتمسكون بالطائفية على حساب الوطن، يعد السبب الرئيسي للتدهور الأمني الحاد، وهو ما أكده المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى العراق "مارتن كوبلر" أمام مجلس الأمن في 20 يوليو / تموز من العام الجاري، حيث عزا كوبلر أسباب تصاعد وتيرة العنف في العراق إلى التوترات السياسية بين قادة الكتل العراقية، وتداعيات الصراعات في المنطقة خاصة ما يجري في سوريا، مشيراً إلى أن أعمال العنف المتزايدة في العراق حصدت نحو ثلاثة آلاف قتيل في غضون الأربعة أشهر الأخيرة، مشدداً على أن المسؤولين العراقيين يواجهون اختيارات حاسمة ما بين تعزيز أسس الديمقراطية أو المغامرة في طريق معقد، حيث تنتظرهم المآزق السياسية وأعمال العنف المستمرة، ونفس الحديث السابق تقريباً أكد عليه قائد القوات المركزية الأمريكية الجنرال لويد أوستن، في 24 يوليو/ تموز من العام الحالي - بعد لقائه مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي في بغداد - حيث أعرب اوستن عن قلقه بشأن تدهور الوضع الأمني الحالي في العراق، معزياً ذلك إلى غياب الحراك السياسي المطلوب .
وإجمالاً فإن مظاهر ومؤشرات التدهور الأمني في العراق أصبحت تتجاوز حدود الواقع، خاصة بعد ما جرى خلال الفترة القصيرة الماضية من استحداث تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" ولاية جديدة تحت اسم "ولاية الفرات"، حيث تضم مدينة البوكمال السورية في ريف دير الزور، وكلاً من مدينة هجين والقائم على الجانب العراقي .
وعموماً فإن هناك حزمة من الأسباب ساهمت في تصاعد التدهور الأمني لعل أهمها كون الحكومة العراقية - المدعومة من إيران والولايات المتحدة - أضحت تواجه تنظيم داعش، بعد أن تحول إلى واحد من أغنى التنظيمات المسلحة في العالم بعد استيلائه على حقول النفط في تكريت والموصل، ودير الزور السورية، وأصبحت تحقق له دخلاً يقدر بمليون دولار يومياً على حسب تقديرات الخبراء، هذا فضلاً عن نجاحه في السطو على ما يقرب من نصف مليار دولار من المصرف المركزي في مدينة الموصل .
ولعل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام قد بدأ يشعر بتضخم قوته، وهو ما يتضح بجلاء في استمرار التنظيم في هدم المزارات الدينية والأضرحة والكنائس وصدور البيانات، فخلال الأسبوع الأخير فقط من شهر يوليو/ تموز من العام الجاري أصدر تنظيم داعش عدة بيانات لعل أبرزها ما تم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي حول فرضه للجزية على مسيحيي العراق جاء فيها الآتي: أولاً الجزية ليست أمراً جديداً أو مستحدثاً بل هي جزء لا يتجزأ من نظام الحكم في الإسلام، وأضاف التنظيم من خلال بيانه "على النصارى أن يعلموا أنهم ما عادوا يعيشون مع عراقيين أو سوريين أو مصريين بل يعيشون الآن مع مسلمين، مسلمين وكفى، الأمور اختلفت الآن هم تحت حكم إسلامي سيكون لهم وضع خاص إذا ما قبلوا بالعهد العمري ليعيشوا بين المسلمين أعزاء ومحميين والفريضة الشرعية تدفع لقاء حماية المسلمين لهم الجزية، هذا مع العلم بأن العاجز تسقط عنه الفريضة" .
واستمراراً لنهج "داعش" في فرض هيمنته، فقد حذر التنظيم نساء مدينة الموصل من كونهن سيتعرضن لأشد العقاب إذا لم يرتدين الحجاب الشرعي الذي يغطي الوجه بالكامل مع تغطية اليدين والقدمين وارتداء ملابس فضفاضة لا تحدد معالم الجسد، إضافة إلى عدم استخدام العطور .
ومؤخراً وبالتحديد في يوم السبت 26 يوليو/ تموز 2014 قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بتفجير كنيسة مريم العذراء في حي التأميم داخل مدينة الموصل بعدد من العبوات الناسفة، وفي اليوم السابق مباشرة (الجمعة) تم تفجير جامع النبي شيت، وذلك بعد يوم فقط من تفجير أهم معالمها التاريخية والدينية ألا وهو مرقد النبي يونس الذي يعود تاريخياً إلى القرن الرابع الهجري، وهو ما دعا الشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق إلى استنكار تدمير تلك الأماكن المقدسة، حيث أسماهم ب "خوارج العصر"، هذا في الوقت نفسه الذي دان فيه الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف تدمير المساجد والكنائس، فضلاً عن تدمير العديد من الآثار التاريخية التي ترمز إلى التاريخ والتقاليد المشتركة .
يضاف إلى مظاهر التدهور الأمني السابقة، فإن المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش والقوى السياسية خاصة السنية أصبحت على أعتاب اقتتال داخلي، فأصدقاء وحلفاء الأمس أضحوا بين ليلة وعشية أعداء اليوم، وذلك بعد أن أمهل عناصر تنظيم (داعش) يوم الجمعة 25-7-2014 خمسة فصائل سنية مسلحة 48 ساعة لمبايعتهم أو مغادرة محافظة ديالى، والفصائل السنية المسلحة المقصودة هي
الجيش الإسلامي وأنصار السنة والنقشبندية وكتائب المجاهدين وجيش الإسلام، حيث رفضت جميع تلك الفصائل - التي سبق أن تحالفت مع داعش- محاولات التنظيم لإجبارهم على مبايعته، وهو ما ينذر بتفجير الأوضاع في محافظة ديالى .
ومن المؤشرات الأخرى على استمرار تردي الحالة الأمنية في بلاد الرافدين تصاعد التوتر بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد - في ظل إصرار القيادات الكردية على الانفصال في دولة كردية مستقلة - حيث قال مصطفى سيد قادر وزير البيشمركة في إقليم كردستان في 25 يوليو/تموز 2014 "إن قوات البيشمركة بحاجة لأسلحة ثقيلة بأسرع وقت ممكن، من أجل ضمان قدرتها في التصدي لمسلحي (داعش) على طول 1050 كيلو متراً"، على حسب قوله مشيراً إلى أن الحكومة المركزية في بغداد، رفضت طلباً سابقاً لحكومة كردستان لتزويد قوات البيشمركة بالأسلحة الثقيلة والنوعية . ولعل الحكومة المركزية في بغداد أصبحت بين خيارين كلاهما مر فإما ترك إقليم كردستان ليقع أجزاء منه تحت سيطرة داعش، وإما الوقوف إلى جوار الإقليم من خلال إمداده بأسلحة حديثة قد يستخدمها أبناء كردستان في المستقبل للانفصال عن الحكومة المركزية في بغداد .
وفي الختام فإن القضاء على التدهور الأمني الحاد في العراق يبدأ أولا من القضاء على الطائفية، وثانياً من معالجة القصور الحاد في الفهم والإدراك الذي أصاب قيادات العراق- خاصة تلك التي تنفذ أجندات خارجية إيرانية وأمريكية وتضع الطائفة في مرتبة أعلى من الوطن- قبل أن يصيب أبناء الشعب العراقي المتناحرين من سنة وشيعة وأكراد وغيرهم، فعلى الجميع أن يدرك أن الوطن هو الباقي أما الأفراد والطوائف أينما كانوا فهم زائلون .