القاهرة "الخليج"
ظلت الحمامات الشعبية على مدار عقود من الزمان، تمثل إحدى مفردات الحياة المصرية، قبل أن تبدأ في الاندثار تدريجياً، لتتحول إلى أثر بعد عين، لكن ذلك لم يمنع كثيرين من عشاق تلك الحمامات، من التردد عليها بين حين وآخر، بل إنها تحولت في وقت من الأوقات إلى «صرعة» بين الشباب في مصر. ويعد الفاطميون أول من أنشؤوا الحمامات الشعبية في مصر، وكشفت حفائر متحف الفن الإسلامي بالقاهرة مطلع القرن الماضي، جزءاً مهماً من هذا التاريخ، بالتوصل إلى آثار أول حمام فاطمي أقيم في مصر، وكان ذلك في صيف عام 1932 بمنطقة كوم الجارح، وإلى الشمال الشرقي من ضريح أبو السعود الجارحي، وبني هذا الحمام على الصخر مباشرة، للاستفادة من الانحدار الطبيعي للتل في الإمداد بالماء والصرف.
يقول الدكتور أحمد عبد الرازق، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة عين شمس، في كتابه الشهير «تاريخ وآثار مصر الإسلامية» إن تخطيط هذا الحمام الأثري، وبقايا جدرانه تكشفان بوضوح أن المعماريين الذين بنوه كانوا متأثرين بتخطيط الحمامات الرومانية.
ويشتمل الحمام على حجرة فسيحة تمثل القاعة الباردة، أي ذات الجو العادي، وكانت مخصصة لخلع الملابس والاسترخاء، وهي التي عرفت في حمامات القاهرة لاحقا ب«المسلخ» أو المخلع، ويوجد إلى اليسار منها حجرة تالية تمثل القاعة الدافئة التي تؤهل المستحم للدخول إلى الغرفة الساخنة، وهي ترتفع فوق غرفة التسخين المعروفة في الحمامات الرومانية، ويوجد بها حوض صغير ملاصق للجدران مشيد من الطوب، ومكسو بطبقة من الملاط، ربما كان الغرض منه تعويض بخار الماء المتناقص في الحجرة نتيجة للهواء الساخن المتصاعد من غرفة التسخين أسفلها.
وتفضي هذه الغرفة إلى الوحدة الثالثة، وهي القاعة الساخنة أو قاعة الاستحمام، وهي مشيدة أيضاً فوق غرفة التسخين وتضم في صدرها حوض الاستحمام ويعلوه ما يشبه السلسبيل، على شكل دخلة في الجدار تضم 3 حنيات معقودة، الوسطى منها أكثر اتساعاً من الجانبين، وبها أنبوبة أسفل منها اثنتان من الفخار تخترق الجدران لتوصيل المياه من القدور التي تعلو المستوقد بغرفة التسخين.
ويستشف من بقايا جدران هذا الحمام، أنه كان مزوداً بفرن آخر يقع خلف الجدار الشمالي لحجرة الاستحمام، لم يتبق منه سوى أطلال جدران أربعة، ولعله كان مخصصاً لتسخين قدور المياه، لأنه غير متصل بممرات غرفة التسخين، وعثر في أنقاض هذا الحمام على بقايا تصاوير جصية نفذت بطريقة الفريسكو كانت تزين حنايا بعض جدرانه، تطرق التلف إلى بعضها، أهمها صورة تمثل شاباً جالساً يرتدي ثوباً تزينه حليات من زخرفة نباتية حمراء اللون، وحول كل من العضدين شريط، وعلى رأسه عمامة ذات طيات وحول رأسه هالة كاملة الاستدارة، ويضع الشاب حول ظهره وشاحاً، وينثنيان إلى أسفل مع التعلق في الهواء، وتتدلى من رأسه خصلتان من الشعر إحداهما في الخلف والأخرى في الأمام، وهو منقوش في وضعية أمامية، لكن وجهه في وضعية ثلاثية الأرباع، ويحف بالحنية شريط من حبات اللؤلؤ. ومن الصور التي عثر عليها في أنقاض هذا الحمام جزء من رسم يمثل رأس شاب يلتفت إلى اليسار، وصورة سيدة تتدلى عصابة رأسها جهة اليمين، ورسم يمثل طائرين متقابلين تفصلهما رسوم نباتية، ويحف بالحنية أيضاً شريط من حبات اللؤلؤ.
ورغم أهمية هذا الحمام الذي يعد مثالاً فريداً لأقدم الحمامات الفاطمية التي أطنب المقريزي في ذكرها والحديث عنها، إلا أنه في طريقه أيضاً إلى الزوال بسبب ما يتعرض له من اعتداء مستمر من قبل أصحاب المدابغ الذين اتخذوا منه مركزاً لإلقاء نفاياتهم، من دون أن تتصدى لهم هيئة الآثار، ناسية أو متناسية أن هذا المثال الباقي يعتبر أحد النماذج الذي سارت على نمطه الحمامات المصرية في العصور التالية.