فرّق العلماء بين الحمد والشكر فقالوا:
إن الحمد يعمّ ما إذا وصل الإنعام إليك، أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك، فأنت تشكر الشخص إذا أوصل إليك نعمة، وتحمده على إنعامه لك، أو لغيرك.
ومن جهة أخرى، فإن الشكر لا يكون إلا على نعمة، ولا يكون على الصفات الذاتية؛ فإنك لا تشكر الشخص على علمه، أو على قدرته، وقد تحمده على ذلك.
جاء في لسان العرب: «والحمد والشكر متقاربان، والحمد أعمّهما؛ لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته»، فكان اختيار الحمد أولى من الشكر لأنه أعم؛ فإنك تثني عليه بنعمه الواصلة إليك، وإلى الخلق أجمعين، وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية، وإن لم يتعلق شيء منها بك. «أما الشكر لله فهو ثناء بسبب إنعام وصل إليك، ولا شك في أن الأول أفضل؛ لأن التقدير كأن العبد يقول: سواء، أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين، وأنت مستحق للحمد، وللتعظيم».
إن الحمد ضده الذم، وضد الشكر الكفر، يقول سبحانه: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّ كَرِيمٌ) «النمل: 40». وكما هو معروف: بضدها تتميز الأشياء، وتتضح الفروق.
إن الحمد يكون على المحبوب، والمكروه، ولا يُحمد على المكروه سوى الله عز وجل؛ فعن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، قالت: «إن النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا أتاه الأمر يسرّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال». بخلاف الشكر؛ إذ لا يكون إلا على المحبوب؛ لأنه يقابل المعروف والنعم، وهي أشياء محبوبة مرغوبة.
إن الحمد أعم من أن يكون مقابل نعمة فقط، بل يكون الحمد ابتداءً بمعنى الثناء؛ فأنت تقول: حمدت فلاناً إذا أثنيت عليه في أخلاقه، وخصاله، ومذاهبه، وصفاته، وإن لم يسبق إليك منه معروف. أما الشكر فلا يكون إلا مقابل نعمة، ومعروف؛ فهو يجري مجرى قضاء الدين، إذاً، هو رد للجميل واعتراف به ونشر له؛ ولهذا قيل: الشكر على ما توجبه النعمة، والحمد على ما توجبه الحكمة.
يقول الراغب الأصفهاني: «الحمد هو الثناء بالفضيلة، والشكر مقابلة النعمة قولًا، وعملًا، ولما كانت النعمة لا تخرج من كونها فضيلة صار الحمد منطوياً على معنى الشكر، فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكراً». ويقول مكي بن أبي طالب: «الحمد أعم من الشكر وأمدح».
وقد جاء الشكر مقترناً بالنعمة في أكثر من آية؛ منها:
قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) «النمل: 19»، وقوله سبحانه: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) «لقمان: 12»، وأكرِمْ بالحكمة من نعمة.
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة