يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان (رواه البخاري ومسلم).
في هذا التوجيه النبوي الكريم حث على فضيلة من أبرز الفضائل وهي فضيلة الحياء..
والحياء كما عرفه العلماء خلق كريم يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وينشأ من الخوف من الله، واستشعار مراقبته. وهو يعصم المرء من مزالق الشر، ويفضي به إلى مسالك البر والفضيلة والخير وقد جاء في حديث آخر أنه خير كله أو أنه لا يأتي إلا بخير لأنه يوجه صاحبه إلى المعروف والطاعة، ويحجزه عن كل منكر ومعصية.
توضيح الحياء بهذا المفهوم كما يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر وأنه باعث على اجتناب القبيح، ومانع من التقصير هو الحقيقي الشرعي.. أما حين يمتنع إنسان عن قول الحق، أو عن فعل الخير متعللاً بما يزعم من حياء في شيء، فهذا في الحقيقة عجز ومهانة، ولا ينشأ إلا من ضعف الدين.
وخص الرسول صلى الله عليه وسلم شعبة الحياء بالذكر من دون سائر الشعب، تنبيها على ما للحياء من أثر في سلوك الإنسان، فالحياء يدعو إلى سائر الخصال الحميدة، والحيي يخشى الله تعالى ويخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر بأمر ربه، وينتهي بنهيه.. أما من لا حياء عنده فلا خير فيه، لأنه لا يرى بأسا في إعلان فسقه أو شره، ومن هنا وجب تحذير الناس منه، ومن ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له.
وقد اجتهد بعض السلف في حصر ما تفرعت عنه شعب الإيمان، فمنها ما يتعلق بأعمال القلب: كالإيمان والإخلاص والحب في الله، ومنها ما يتعلق بأعمال اللسان كالتوحيد والذكر وتلاوة القرآن والاستغفار، ومنها ما يتعلق بالبدن كالصلاة والزكاة والصيام والحج وهكذا.. وفي الحديث الصحيح ما يشير إلى أن شعب الإيمان متفاوتة علوا ونزولا، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. أي تنحيته من طريق المسلمين.
لا حياء في الدين
لقد كان صلوات الله وسلامه عليه المثل الأعلى للناس جميعا في التخلق بخلق الحياء، وكثيرا ما كان يحث على التخلق بهذا الخلق الكريم.. ويروى أنه مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء ليكفه عنه، لما يزعم أن فيه ضعفا، فنهاه الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: دعه فإن الحياء من الإيمان.
وكان صلى الله عليه وسلم خير من تمثل في شخصه الشريف خلق الحياء، فهو رقيق الشعور، دقيق الإحساس، إذا رأى شيئا لا يحبه مما لا يتصل بشأن الدين ظهر في وجهه وعرفه أصحابه.. أما ما يتصل بأمور الدين فكان أسرع ما يكون إلى تغييره ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. وقد جاء في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه، وحسب هذه الفضيلة شرفا أنها خلق الإسلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء.
وفضيلة الحياء التي حث عليها الإسلام لا ينبغي أن تكون عقبة في طريق التفقه في الدين، فلا ينبغي أن يستحي الإنسان رجلا كان أو امرأة من السؤال في أي أمر من الأمور العامة أو الخاصة بسبب الحياء.. وقد جاءت أم سليم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال: نعم إذا رأت الماء.
وبما أن الحياء درجات وشعب، فإن أعلى شعب الإيمان كما قال العلماء هو الحياء من الله تعالى، وذلك بطاعته سبحانه فلا يراك حيث نهاك، وهذا بمعرفته ومراقبته في السر وفي العلانية، وهذا هو المراد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: استحوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي والحمد لله فقال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
سلوك إيجابي
والحياء الذي يحثنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة ليس شعارا يرفعه المسلم، بل هو سلوك عملي ينبغي أن يكون ملازما له في كل تصرفاته ومعاملاته مع الآخرين.
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري: من القيم النبيلة في حياة الناس أفرادا وجماعات قيمة الحياء، ومن شأن الحياء أن يمنع المرء من فعل أي شيء لا يتفق مع الأخلاق الكريمة والسلوك الحميد، وهذا يعني أن الحياء والضمير صنوان لا يفترقان.. ومن أجل ذلك يعد الحياء في التصور الإسلامي عنصراً أساسياً من عناصر الإيمان، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر كما ورد في الحديث الشريف.
والإيمان ليس مجرد عقيدة قلبية أو أمر نظري فحسب وإنما هو مرتبط بالعمل وبالحياة ارتباطا وثيقا، وكثير من آيات القرآن الكريم تربط الإيمان بالعمل الصالح.. والعمل الصالح لا ينفصل عن الحياة، ويعني في معناه الواسع كل عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة، دينيا كان هذا العمل أم دنيويا، طالما قصد به المرء وجه الله ونفع الناس ودفع الأذى عنهم.
ويختلف الحياء عن مجرد الخجل.. فالخجل قد تكون له جوانب سلبية.. أما الحياء فإنه إيجابي دائما.. ومن هنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء خير كله ولا يجوز أن يفهم الحياء على أنه أداة مانعة من فعل ما يشين فحسب.. فالحياء يشتمل على ذلك وأكثر منه، إنه مانع ودافع في الوقت نفسه: مانع من الأفعال المرذولة، ودافع إلى الأفعال المحمودة، لأنه إذا كان شعبة من شعب الإيمان، وإذا كان الإيمان لا ينفصل عن العمل، فإن الحياء بالتالي لا ينفصل عن العمل أيضا.
سياج خلقي
من هنا فإن المسلمين الآن في أمس الحاجة إلى التخلق بخلق الحياء.. فبسبب غياب هذا الخلق الكريم تعددت وانتشرت الانحرافات السلوكية بين الكبار والصغار، وبين الرجال والنساء، ولو تخلق المسلمون بهذا الخلق كما يقول الدكتور إسماعيل الدفتار أستاذ الحديث بجامعة الأزهر لاختفى كثير من سلوكياتهم الخاطئة.
فالحياء يمنع الإنسان من أن يقتل ويسرق ويزني ويعتدي على مال غيره وعلى حرمات المسلمين بوجه عام.. والحياء والنفاق والكذب لا تجتمع، ذلك لأن الحياة الخلقية للإنسان لا تسمح له بأن يكون ذا وجهين يفعل أمام الناس شيئا وبينه وبين نفسه يفعل شيئا آخر مخالفا.. فهذا ليس من المروءة ولا من الأخلاق الكريمة في شيء، فالإنسان ينبغي أن يستحي من نفسه كما يستحي من غيره.. ولذلك قيل إن المروءة ألا تفعل سرا أمرا وأنت تستحي أن تفعله جهرا.. وهذا يؤكد أن الحياء سياج خلقي يمنع المرء من فعل أي أمر لا يتفق مع القيم الأخلاقية والدينية، ويهيئه في الوقت نفسه للالتزام بما يمليه عليه الضمير من سلوك فاضل.
وعلى النقيض من ذلك إذا فقد الحياء أو سقط عن المرء برقع الحياء فإنه لا يجد حرجا في فعل أي شيء يتنافى مع القيم الأخلاقية والدينية، ولا يخشى في سلوكه هذا لومة لائم.. ومن اجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وما يصنعه المرء لا يقتصر عليه فقط، بل يتعداه إلى غيره في المجتمع، وهذا يعني أن الحياء ليس فضيلة فردية تقتصر على صاحبها فحسب، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك فضيلة اجتماعية أيضا تتعدى صاحبها إلى دائرة أوسع وتشمل المجتمع بأسره، كما أن نقيض الحياء من الصفاقة والفحش يتجاوز دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع.