تحقيق: فدوى إبراهيم

العمل قيمة إنسانية بغض النظر عن ماهيته، ومزاولة ومواصلة العمل، هو أحد الأساسيات التي تشعر الإنسان بأهميته في المجتمع، وهو ما يدعو الكثيرين ممن تعدت أعمارهم سن التقاعد في قطاعات عملهم، أو السن الافتراضية للتقاعد، لمواصلة نشاطهم الجسدي والعقلي، رافعين شعار «لا حياة بلا عمل».
يعيش العديد من كبار السن حالة من التعايش والتقبل للسن المتقدمة، وما يسهم في ذلك هو استمرارية مزاولة أعمالهم ونضجهم فيها، والفرصة المتاحة أمامهم لإعادة اهتماماتهم إلى الواجهة، فما بين أولئك الذين يعملون في القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، اختلاف، لكنه ليس اختلافاً جوهرياً، فكل منهم يستطيع أن يخلق لنفسه مساحة من العمل مادام يرى في نفسه الرغبة والقدرة على ذلك.
في كل الأحوال تشكل لحظة التقاعد نقطة فارقة في حياة الكثيرين، البعض يستعد لها بطريقة جدية، والبعض الآخر يجد نفسه فجأة في مواجهتها، وتتفاوت ردود الأفعال بين المتقاعدين في تقبل واقعهم الجديد، ومن الأبناء من يرى أنه مادام الآباء يستطيعون العطاء فذلك شيء إيجابي ، وعلى الأبناء عدم الاعتراض على ذلك.
أنور الخطيب «متقاعد» عمل في مجال هندسة النفط، يرى أن العمل بعد سن التقاعد يهدف إلى إثبات الذات ويشعر صاحبه بأهمية وجوده في المجتمع، فإذا عكف عن ذلك ستتضاعف أمراضه وتصبح الحياة مجرد أيام ينتظر فيها أجله، ويقول: «يعيش الكثير من كبار السن حالة إيجابية تحد من شعورهم بالوحدة والملل وعدم الجدوى بالحياة، وذلك من خلال شغل أوقاتهم سواء بأعمال حرة من خلال مشاريع صغيرة، أو الالتفات إلى مهارات وهوايات طواها الزمن بسبب انشغالهم المهني، والكثير من التجارب حولي ممن اجتازوا سن التقاعد استطاعوا أن يبقوا على بريق حياتهم بالعمل، أما عني فأنا حديث التقاعد وأعمل في عدة مهن بسيطة، إضافة إلى عودتي للكتابة وحضور المنتديات والندوات الثقافية والمعارض».
ويشير يوسف عيّاد «متقاعد» إلى أن عمله كطبيب في أحد المستشفيات طوال أكثر من 30 عاماً، أهله لأن يفتتح عيادته الخاصة بعد تقاعده، حيث إن خبرته وقدرته الجسدية أهلتاه لذلك، ويضيف: «على كل شخص أن يقدر تمام التقدير خبرته ولا يجعلها تذهب هباءً، فسنوات العمر الطويلة التي تستثمر في مهن ما، لا بد وأن تشكل ذخيرة لدى صاحبها تؤهله لأن يستفيد منها لاحقاً، وهو ما فعلته في أن أقدم خلاصة تجاربي وخبرتي في مجال طب الأطفال من خلال عيادتي الخاصة»، وينوه عيّاد إلى أن تحوله للعمل الخاص لم يكن بدافع المال، إنما لتكون خبرته الطويلة في خدمة المجتمع.
إبراهيم أحمد اكتشف بعد تجاوزه سن 60 ما كان يكافح والده من أجله، وحول ذلك يحدثنا قائلاً: «حين كبر بوالدي العمر وبدأت الأمراض تزداد عليه، السكري والضغط وأمراض الشرايين، وهو صاحب سلسلة مطاعم، لم أكن أرتضي له أن يستمر في عمله كمدير ومشرف عليها، ووفرت له كل ما يجعله يعيش حياة كريمة، ونصحته مراراً وتكراراً أن يرتاح في المنزل ويعتني بصحته، إلا أن جوابه كان الرفض الدائم، وظل يدير ويشرف على كل صغيرة وكبيرة في تلك المطاعم حتى آخر العمر، ولم أكن أفهم لماذا هذا الإصرار على العمل، واليوم فهمت تماماً حاجته في ذلك الوقت للعمل، فمن اعتاد العمل وشعور الإنجاز والبقاء في ظل اجتماع الناس والعلاقات، لا يستسيغ أبداً أن ينقطع عن تلك الحياة لطالما فيه روح تنبض، فالعمل قيمة إنسانية واجتماعية لا يحدها سوى انتهاء الحياة».
ويقول أحمد العابد «متقاعد»، إن سن التقاعد بالنسبة له لم يكن يحدده سوى العمر، لكن طاقته المتجددة ألهمته إلى أن يغير مجال عمله الهندسي، وذلك بعودته إلى كتابة ما كان يرغب بكتابته منذ سنوات، ففي المجال الأدبي يجد نفسه، وحول ذلك يقول: «رغبتي الخالصة بالكتابة لم أكن أجد لها الوقت حتى سن التقاعد، فعادت لي القدرة من جديد، وهو الأمر الذي لا يحتاج جهداً بدنياً، بقدر ما هو فكري، وهو الأنسب حسب اعتقادي لسني، حيث من الأفضل أن أهتم بصحتي جيداً، وبنفس الوقت أمارس ما أحب».
بالنسبة لميسون رجائي، فإن سن التقاعد لا تنفي القدرة على العمل والإبداع، فأفضل مراحل الإنتاج بحسب قولها في عمر ما بعد 45 - 50 ، فعمر الشباب يمثل ذروة النشاط البدني والفكري، ومن خلال تجربتها في مجال التأمين، ترى أن حاجة العمل لها، وقدرتها على العطاء فيه أصبحت أفضل بعد تجاوزها عمر 55 عاماً، فهي اليوم حسب قولها ملمة تماماً بكل ما هو خاص بمجالها الميداني والإداري، وقادرة على الإجابة عن كل سؤال يخص ذلك.
العمل حياة
العمل في حياة الإنسان هو إثبات وجود ومصدر رزق ومشاركة اجتماعية في المجتمع، فبالرغم من أن المال واحد من أهم الأسباب للجوء إلى العمل،فإن النجاح والسعادة في الحياة على المستويات كافة لا يرتبط بادخار المال بقدر ما هو القدرة على العطاء وإثبات الذات حتى آخر رمق.
ويعتبر العمل الحر خصوصاً التجاري على أنواعه من المهن التي يزاولها أصحابها لوقت طويل. إضافة لمهن أخرى كالعمل الإعلامي، والأكاديمي، والقانوني والطبي، وغيرها من المهن التي تخرج طاقات تمكّن أصحابها من أن يكونوا مستشارين فيها فيما بعد، فهي مهن تزداد قيمة أصحابها كلما ازدادت خبرتهم فيها، وهو ما يفتح لهم المجال، طالما أن لديهم القدرة الجسدية والفكرية، لاستمرارية مزاولتها حتى آخر العمر.
ويلجأ بعض أصحاب المهن إلى اتخاذ مهن مغايرة لمجالهم المهني، ومتوافقة مع رغباتهم بعد سنهم التقاعدية، ومن تلك المهن الأعمال الحرة، العمل الجزئي في مجال تخصصهم أو ما شابه ذلك، المكتبات، المحال التجارية، الأعمال الفنية والأدبية التي غادروها بسبب انشغالهم بمهنهم، كالرسم والكتابة الأدبية والتصوير.