الخوف من المشاعر البشرية التي تحظى باهتمام العلماء وبعضنا يخاف الحيوانات، لكن ربما لا يعلم كثيرون أنها تملك هذا الشعور بأشكال مختلفة .

يقول د . بوريس سيرولينك، المتخصص في علم الأعصاب وعلم الأجناس والتحليل النفسي ورئيس مجموعة البحث في الأخلاقيات الطبية في جامعة جنوب سولون فار الذي وضع مفهوم المرونة أو الولادة الجديدة من المعاناة . ما يجعلنا نخاف هو أننا نولي أهمية للأشياء أكثر مما تستحق ولكن ما هو الخوف في الأساس؟ أليس هو علامة الغريزة الحيوانية داخلنا أمام الخطر؟ أليس هذا الخوف هو الذي ينقذ حياتنا؟ ويضيف سيرولينك بأن مشكلة الخوف عند البشر تكمن في أنهم يحيطونه بكثير من الخيال المفرط .

لو تطرقنا إلى الخوف في مملكة الحيوان وسألنا ما الذي يخيفها لوجدنا أولاً أن هناك نوعين من الخوف: الأول ينبعث عند الحيوان بفعل ما يسمى حالة المحفزات، وهذا يعني أننا نتعامل مع شيء حسي، فمثلاً، هناك حيوانات تخاف عندما ترى أمامها منحدراً كما هي الحال عند القطط، فهذه الحيوانات تضطر لتعلم المشي على المزاريب لأنها تخاف من المرتفعات والفراغ . ويشير سيرولينك إلى اختصاصي السلوك الحيواني ايبسفيلدت ايبل الذي أجرى تجربة على الأطفال، فقد أخذ سلماً خشبياً ووضع عليه لوحاً زجاجياً ثم ترك هرة صغيرة تسير على الجزء المعتم من السلم وعندما وصلت الهرة إلى اللوح الزجاجي، وجد أنها لا تجرؤ على التقدم بل تتلمس بقائمتها اللوح في محاولة للتقدم ثم تضع قائمتها الثانية بانزعاج واضح . ولاحظ الباحث أنه لو وضع فأر صغير على الجزء المعتم من اللوح الزجاجي، فإن الهرة ستنطلق نحوه من دون خوف ما يعني أنه قبل وجود أي نوع من التدرب أو التعلم، هناك ما يسمى بحالة المحفزات عند الهرة، أي الإدراك الحسي، المتعلق بكل نوع من الأنواع، فهو الذي يجعل بعضها تخاف على الفور، في حين أن أنواعاً أخرى تدرك الخوف بطريقة مختلفة .

ويمكن أن نضرب أمثلة أخرى عند حيوانات متطورة مثل القرود، فالشمبانزي مثلاً يخاف من الثعابين، ولو أخذنا ثعباناً خشبياً ورميناه أمام شمبانزي غير مدرب سيقفز من مكانه لا محالة وهذا يعني أن هناك آلية للتكيف على الخوف بحيث يصبح ميزة تكيفية تمنح بعض الأنواع القدرة على البقاء على قيد الحياة . ويشير سيرولينك إلى أن ثمة عناصر أخرى خطرة لا يدركها الكائن الحي أو أنه يدركها ولكن لا ينظر إليها على أنها حالة من المحفزات ضد الخوف بمعنى أن الكائن يواجه خطراً لكنه لا يشعر بالخوف وفي هذه الحالة يرمي بنفسه في التهلكة .

ومن هنا نرى أن الخوف والخطر لا يرتبطان دائماً، وهو ما ينسجم مع النوع الثاني من الخوف في مملكة الحيوان وهو المكتسب، ففي وقت مبكر تتولد عند الكائن الحي عمليات التعلم، فالحيوانات مثلاً تصل بسرعة إلى تكوين نوع من التصورات أو الإدراكات كالروائح الحسية والصور . وفي هذه الحالة نجد أن الحيوانات تربط بين أمر ما فوجئت به وبين الخطر، وهذا الأمر يبقى عالقاً في ذاكرتها، بل وفي جهازها العصبي، وعندما تلمح هذا الخطر مرة أخرى أو أي شيء مماثل، فإنها تعلم كيف تواجه مخاوفها منه .

وضمن سلوكيات الخوف نجد أن القط يقلد الأفعى والحقيقة العلمية وراء هذا السلوك الغريب نوعاً ما أن ما تفعله القطط هو تقليد غريزي ومشابه تماماً لما تفعله الأفاعي .

وتلجأ الأفاعي عادة إلى أسلوب الفحيح ثم قذف السم في عيون الحيوانات التي تهاجمها، والمعلوم أن كل الحيوانات المفترسة لديها خوف غريزي من الأفاعي، وهي تعلم تماماً أن أي تعامل خاطئ لها مع أفعى سامة قد يكون غير مأمون العواقب بالمرة، لذلك فإن القط يتبع الأسلوب نفسه في مواجهة الكلب مثلاً الذي يفوقه في الحجم والوزن، وبالطبع فالهروب من الكلب ليس حلاً جيداً دائماً في جميع الحالات وبالتالي فإن القط يستلهم أسلوب الأفعى في الدفاع عن نفسها فيبدأ في إصدار صوت مشابه تماماً لصوتها وهذا يثير الخوف الغريزي لدى الكلب من الثعابين فإذا لم ينصرف بعيداً فإن القط يبدأ في البصق المفاجئ في وجهه فيصيبه بالذعر حيث إنه يتصور أن لعاب القط سام وسيصيبه حتماً بالعمى المؤقت . والخوف أيضاً هو الذي يجعل القط يقوس ظهره أثناء المشاجرات بهدف زيادة حجم جسمه لإرهاب الخصم وجعله يعتقد أنه مقدم على معركة مع قط يفوقه في الحجم والوزن .

وكشفت دراسة حديثة أن خوف الحيوانات من نظيراتها المفترسة قد يكون عاملاً لدراسة تطور الحيوانات وتكاثرها، وذلك بعدما توصلت الدراسة إلى أن الخوف تسبب في انخفاض نسل عصافير الدوري بمقدار نحو 40% . وحللت الدارسة التي أعدها فريق من جامعة ويسترن أونتاريو الأمريكية بقيادة ليانا زانيت، ونشرت في مجلة (ساينس العلمية)، تأثير الحيوانات المفترسة في فرائسها حتى في الأوقات التي لا يكون لديها نية في التهامها .

وأجرى الباحثون تجربة على عصافير الدوري المغردة واكتشفوا أن شعورها بالخطر أثر في تكاثرها ومعدلات بقاء النسل . وأحاط باحثون أعشاش العديد من العصافير الطليقة بسياج كهربائي، ثم اصدروا بعد ذلك أصواتاً لحيوانات مفترسة تعتاد الاقتراب من أعشاشها، مثل الراكون . ووفقاً للدراسة، فإن الحيوانات البرية يمكنها اكتشاف خطر اقتراب حيوانات مفترسة وفي مقدرتها تغيير عاداتها حتى تقلل هذا الخطر .

ولاحظ الباحثون أن العصافير التي أسمعت أصوات الحيوانات المفترسة أجرت رحلات أقل للبحث عن طعام خارج أعشاشها، سواء لاطعام أنفسها أو صغارها، الأمر الذي صعب من بقائها، وما أدى إلى انخفاض معدل النسل عندها بنسبة 40% .

وتشير الدراسة إلى أن الحيوانات المفترسة لا تكمن أهميتها في كونها مستهلكة فحسب، وإنما وجودها في البيئة قد يكون له آثار ضخمة على أنواع أخرى مما قد يؤثر في استقرار الأنظمة البيئية . ولذا فالتأثيرات المباشرة لحالات النفوق في الأعشاش بسبب الحيوانات المفترسة قد تنعكس بشكل كبير على تكاثر العصافير، ما يؤثر بدوره في تطور الأنواع . واقترح الباحثون اعتبار الخوف عاملاً مهماً في النظريات حول الحيوانات المفترسة، نظراً لأن وجودها في غير النظام البيئي الخاص بها قد يكون له عواقب غير منتظرة .