يقول تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهراً، وفي إيجاز شديد نرى.. الصورة البديعة من التوصية بالوالدين إحسانا، والتركيز على جانب الأم وكيف كان حمل الابن مؤلماً لها ومتعباً ومنغصاً.. ثم كان وضعه أشد إيلاماً وأصعب.. ونصل إلى الأعداد في الآية وهي حمله وفصاله ثلاثون شهراً، وهي مدة حمل الإنسان في بطن أمه وتضاف إليها مدة رضاعته إلى الفطام.

مدة الحمل والإرضاع

وقد استدل العلماء من هذه الآيات على تحديد دقيق لاحتياجات الرضيع إلى الغذاء مباشرة من جسد أمه عندما وضعوا الآية أمام قوله تعالى في سورة لقمان: وفصاله في عامين واستدلوا منهما على أن أقل مدة للحمل عند النساء هي ستة أشهر يمكن خلالها أن يكتمل نمو الجنين ويخرج إلى الحياة على الأرض وهو استنباط الإمام علي كرم الله وجهه ووافقه عليه كثير من الصحابة.

وفي تحليل وقراءة ما وراء الأعداد قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحد وعشرون شهرا، وإن وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإن وضعته لستة أشهر فرضاعته حولان كاملان.. حتى يبلغ مبلغ القدرة على الاعتماد على ما يأكل ويشرب لإكمال مراحل نموه.

وترتبت على البيان الدقيق لأقل مدة لحمل المرأة وهي ستة أشهر فائدة عظيمة، إذ أنقذ النساء الطاهرات العفيفات من الاتهام بالزنا إذا ما أنجبت المرأة بعد ستة أشهر فقط من الزواج أو عودة بعلها من سفر طويل، خصوصا بعد أن أثبت العلم أن ابن ستة أشهر طفل كامل النمو كأي طفل ابن تسعة أشهر (في غالب الأحيان).

كليم الله

ويأخذنا العدد ذاته إلى جانب مما كان بين الله سبحانه وتعالى وسيدنا موسى عليه السلام.. حيث قال الحق سبحانه: وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وأوضحها تعالى مرة ثانية في سورة البقرة حيث قال: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون، وتوضح الآيتان جانبا جليا من تكريم المولى سبحانه لنبيه موسى (عليه السلام)، حيث أعطاه موعداً لمناجاته.. وهو وحده دون سائر الأنبياء والمرسلين الذي حظي بشرف ولقب كليم الله.. وفي الموعد المحدد أعطاه الله سبحانه التوراة.. وحتى يؤمن بنو إسرائيل ويدركوا تسلسل الأحداث ووقعها.. فقد جاء التكليم ونزول الألواح وتعاليم التوراة بعد نجاتهم مع موسى وهارون من فرعون وجنوده وهم أعظم قوة في زمانهم، وفي بعض الروايات أن جيش فرعون كان يقدر بعدة ملايين بأعلى عتاد وسلاح بينهما كان عدد بني إسرائيل نحو 600 ألف وهو ما يشير إلى أن جيش فرعون كان أكبر عددا وعدة ومع هذا نصر الله موسى وقومه وشق البحر ليمروا في سلام وبعدها أغرق فرعون وجنوده في مشهد رآه بنو إسرائيل إلا أنه لم يزرع الإيمان كاملاً في قلوبهم.. فاستمروا في غيهم وعنادهم وإفسادهم.

وفي الآية الأولى قال بعض المفسرين: الثلاثون التي وردت في النص تشير إلى شهر ذي القعدة، والعشر هي ذي الحجة، وأن المناجاة تمت بعد الأربعين ليلة وأعطى الله التوراة لموسى.. وقيل إن تكليم الله لموسى كان يوم النحر (عند المسلمين الآن أي عيد الأضحى)، وهو قول له وجاهته واعتباره وإن اختلف حوله الشراح إلا أنه مدعوم بما نعلم من أن حلقات الهداية والرسالات والأديان صدرت من الله تعالى وبينها روابط رقمية وتاريخية.

وبعد غيبة موسى عن بني إسرائيل.. وذهابه إلى موعد ربه سبحانه لمناجاته وتلقي الرسالة منه مباشرة، واصل بنو إسرائيل جحودهم ونكرانهم لفضل الله على نحو غير مسبوق في تاريخ البشرية حيث جمعوا الذهب الذي خرجوا به من مصر وصنع منه السامري (أحد قادتهم) عجلا وعبدوه في واحد من أكبر مظاهر الشرك وكان بين ظهرانيهم نبي الله هارون الذي لم يستطع أن يقاوم عنادهم واستكبارهم حتى يعود سيدنا موسى (عليه السلام) من لقاء ربه وتلقي الرسالة وهم يعلمون بكل هذا.. ومضوا في شركهم.. ومع كل هذا فقد عفا الله عنهم وتجاوز عن خطاياهم لعلهم يرجعون إلى بارئهم ويتوبون ولكنهم لم يفعلوا.. ولن يفعلوا.