تحقيق: محمد هجرس
يزيد عمر منطقة الخان القديم بالشارقة على 400 سنة، وتقع بين الشارقة ودبي، على الخليج العربي، وكان عدد بيوتها خلال تلك الفترة البعيدة أقل من ثلاثين بيتاً ما زال بعضها موجوداً حتى الآن، ويتم ترميمه، وكانت تسكنها حتى وقت قريب الأسر الممتدة التي تعيش في بيت واحد يجمع الآباء والأجداد والأبناء وزوجاتهم وأطفالهم وأحفادهم، وتنتهي تلك الأسر إلى كبيرهم الذي يحكمه في النهاية كبير القبيلة التي تنتمي إليها الأسرة، وكان هذا الكبير هو المتصرف في أمور قبيلته ويقبض على كل خيوطها التي لا تنفرط، وبفضل الحب والتمسك بالأرض وبمن عليها كان كل من يعيش عليها يوقر هذا الكبير .
منطقة الخان القديم من أقدم الأماكن التي تتواتر أخبارها على ألسنة الشواب الذين يحملون تاريخها في قلوبهم لأنهم ولدوا على أرضها التي شهدت ميلاد أجدادهم وآبائهم، حسب كلام عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة .
وعن الحياة هناك قديماً قال: "كانت تتميز بالهدوء الشديد خاصة أن المهنة التي كان يمارسها الناس هي التجارة سواء بالبحر أو بداخل المنطقة من خلال ما يزيد على عشرين دكاناً كل منها تخصص في بيع سلعة معينة يمنع من بيع أنواع أخرى رغم أن القانون في ذلك الوقت لم يكن به ما يجرم ذلك ولكنه اتفاق ودي جرت عليه العادة في تلك الفترة ولأن البحر كان حياتهم استطاعوا الإبحار والوصول إلى الهند التي كانت سوقاً لتجارة اللؤلؤ الذي كانوا يستخرجونه من الخليج العربي، ووصلوا أيضاً إلى جنوب إفريقيا وسريلانكا لجلب الشاي والأخشاب بأنواعها والفحم، لكن أكثر الأماكن التي ارتبط بها أهل الخان قديماً هي بومباي التي كانت تضم المراكز التجارية الكبرى على مستوى العالم فمنها جلبوا الأقمشة والمواد الغذائية والشبابيك والأبواب الجاهزة والدقيق والحلوى" .
وتابع: "هذه التجارة جعلتهم يشيدون ما يعرف ببيت "الطواشة" حتى يمكن لجامعي اللؤلؤ من الخليج الالتقاء فيه للتشاور في السعر الذي سيباع به وكانت العادة بينهم قيام ما يقرب من 3 تجار كبار أو أكثر ممن كانوا على علاقة بنظرائهم في مدينة بومباي أو سيريلانكا أو جنوب إفريقيا لحمل البضاعة وركوب البحر للسفر بها إلى تلك المدن وبيعها والعودة بما يحتاجونه أو بثمنها، لافتاً إلى أن المنطقة يوجد بها أيضاً مسجد يحمل اسم خلفان بن غانم الذي كان إماماً له منذ فترة تزيد على 200 سنة، وبعضهم يسمي المسجد "ابن دباس" وهو أحد تجار اللؤلؤ وقام ببنائه على نفقته الخاصة ثم تولى الإنفاق عليه حتى وفاته، وكان إمام المسجد يعمل من دون أجر ويقوم كل أسبوع بعد صلاة العشاء باصطحاب أهل بيته إلى المسجد ليلاً لتنظيفه .
كما يوجد أيضاً مجلس للشواب وكان مخصصاً للبحث عن حلول للمشاكل التي كانت تواجه المنطقة، ولتنظيم الأمور الحياتية الخاصة بالناس مثل تحصيل الزكاة وتوزيعها على المحتاجين وكان الجميع يتسابق إلى دفع زكاته، حتى الفقراء يسابقون الأغنياء في ذلك رغم أن بعضها سيعود إليهم .
ويؤكد خليفة سيف أنه من مواليد المنطقة وعمره الآن يزيد على 70 عاماً ويحمل في صدره وعلى أكتافه تاريخ تلك المنطقة الذي لا يبرح خياله وما زال يرى المركب الكبير الذي كان في حاجة دائمة إلى رجال أقوياء يمسكون بمجاديفه، وهم يقتربون من "الرسوة" التي كانوا يربطون حبالهم بها، ثم يقوم الناس بإنزال ما بداخله إلى الأرض فكان يرى أجولة السكر والشاي والحلويات والأرز والدقيق وكل ما كان يحلم به الطفل في تلك الفترة، مشيراً إلى أنهم ينتظرون وصول المركب كل صباح ومساء من البحر الذي كان يمثل لهم أسباب الحياة، فهو الذي يمدهم بمواد البناء التي يشيدون بها البيوت خاصة الخشب بأنواعه المصنعة من شباك وباب وسرير و"الشابدية" التي يعرفونها وهم شبان .
ويؤكد سيف أنه عاصر أهل منطقة الخان وهم يصلون داخل المسجد ويجلسون بعد الصلاة يدعون الله أن تصل تجارتهم سالمة وألا يضار أحد من رجالهم في البحر، ودائماً ما كان يحدث ذلك في أوقات تأخر قافلة التجارة بسبب شدة الرياح أو وجود عطل في المركب .
ويؤكد سيف عبدالله المرزوقي أنه يتردد أسبوعياً على منطقة الخان لأنه قطع على نفسه عهداً بزيارة أجداده ولن يوقف هذه العادة فهو يرى أن كل شيء في المنطقة له أهمية ويصعب أن يتكرر رغم أنه تحول إلى أطلال وهياكل لبيوت كانت عامرة بالناس بعضهم ما زال حياً ورحل الآخر .
ويشير إلى أن حبه وحب أهل الخان القديم لأجدادهم جعلهم يشيدون خاناً جديداً بجانب القديم، ويقول إن طفولته في الخان كانت من أجمل أيام عمره لأنه كان يعيش وسط أخواله وأعمامه الذين كانوا ينصهرون في بوتقة واحدة ولم يمر يوم واحد إلا وأقاموا مناسبة في بيت أحدهم ليجتمع الكل في أجواء تسودها المحبة والكرم الذي ما زال محافظاً عليه حتى الآن وزرعه في أولاده .
وعن شعوره خلال رحلته الأسبوعية إلى الخان القديم يؤكد المرزوقي أنه يحن للماضي الجميل، هذا الحنين الذي تختلط فيه السعادة بالحزن، ويشير بيده قائلاً: "هنا كانت تجلس أمي لإعداد الطعام لنا، وعلى شاطئ الخليج كنا ننتظر بكل لهفة وشوق جدي ووالدي العائدين بعد غياب شهور من رحلات الغوص بحثاً عن اللؤلؤ" .
ويقول علي سهيل الغفلي: "الحياة في ذلك الوقت كانت أجمل من الآن لأنهم كانوا يعتمدون في كل شيء على الطبيعة التي تجود بالمطر طوال شهور السنة"، وحتى سنة 1970 لم يعرفوا أي شيء عن الكهرباء، وكانوا يعتمدون على لمبة الجاز التي نورت لهم سهراتهم الممتدة حتى منتصف الليل خصوصاً في شهر رمضان الكريم، موضحاً أن الجميع في تلك الفترة كانوا ينعمون برفاهية .
وتابع: "الباراجيل التي كانت تميز بعض البيوت فاعلة في تلطيف الجو وأفضل بكثير من المكيفات التي حولت الحياة إلى حرارة مرتفعة خارج البيت خاصة عندما تضطر للنزول من بيتك لقضاء حاجتك" .
وأوضح أن أجمل الأماكن ما زالت موجودة بمنطقة الخان القديم بيت "الطواشة" الذي كانوا يذهبون لمشاهدة اتفاقات تحديد الأسعار وجدالهم الذي كان يطول حول متاعبهم في جلب البضاعة، وبعضهم كان يقسم كثيراً لدرجة اشتهاره بذلك القسم بين الجميع، وكان السعر المحدد لبضاعته يساوي جزءاً صغيراً من متاعبه في الغوص وبقائه في البحر أسبوعاً باحثاً عن اللؤلؤ .