كتبت: أمل سرور

«جدتي قولي لنا خروفة».
بصوت رخيم هادئ تبدأ الوالدة خروفتها الليلية ب«كان يا مكان في قديم الزمان»، وبتلقائية وبارتجال شديد الحبكة والقافية والوزن تبدأ في الحكي الذي لا يخلو من الغناء الخافت: «خريريفة مجيريفة، سبع قطيوات معلقات في التنور، والتنور يبغي حطب، والحطب في السمرة، والسمرة تبغي جدوم، والجدوم عند الحداد، والحداد يبغي فلوس، والفلوس عند العروس».
إنه عالم الخراريف ذلك الذي تمتلكه الجدات والأمهات اللاتي أبدعن فيه وأثرين خيال أطفالهن وأحفادهن بحكاياته وأساطيره التي شكلت عقولهم لترسم مستقبلهم.
البدايات من عند نهايات اليوم وتحديداً من بعد صلاة العشاء، حيث يجتمع الأطفال وبعض الشباب حول القاص الذي غالباً ما يكون الجدة التي تبدأ في سرد قصصها المختلفة، وحكاياتها الجميلة التي تتناول موضوعات متنوعة، منها خروفة عمل الخير والمعروف، أو تلك التي تلقن دروساً ذكية في إنكار المعروف، أو حول بنات الجن، وصيادي السمك والغواصين. قد يصمد الطفل أمام صوت الجدة، ولكن أغلبهم لا يستطيع مقاومة النوم فيغلبه قبل إتمام القصة، ولا يكون أمامه سوى المطالبة في اليوم التالي بإتمامها، فتبقى راسخة في وجدانه.
بنت الزين والحطاب
عندما تحدثت مع عبد الله الظهوري من مناطق الإمارات الجبلية عن خراريف جدته، لم يملك سوى الصمت الطويل وكأنه يعود بذاكرته إلى الوراء ليجيبني قائلاً: لدي الكثير من الخراريف التي كانت ترويها الجدة لي ولإخوتي، أتذكر منها خروفة بنت الزين معمر وبديح بديحوه، وخروفة الحطاب والحية، والغيص والحصبة، والحاكم والإمام، وخروفة الملك فيه قرون. أما خراريف الشياطين فهي كثيرة منها خروفة بابا درياه وخطاف رفاي أو أبو الخطيف، وخروفة عبد المزنجل، وأم الدويس، وخروفة البعير المقصوص رأسه، ومنها حمار القايلة، وخروفة أم الصبيان.
ويختم الظهوري حديثه بالقول: لقد تعلمنا الكثير من خراريف جداتنا فقد كان لها الكثير من الأفضال علينا، فقد ساهمت في تربيتنا على القيم والأخلاق، وغرست بداخلنا احترام العهود والالتزام بالصدق والأمانة، وساعدتنا على تكوين شخصياتنا، وعودتنا على حب الخير والعطف على الضعيف وتقديم العون للمحتاج.
الجدة تحكي
البحث عن جدات راويات وحافظات للتاريخ وأساطيره وحكاياته لم يكن صعباً على الإطلاق، خاصة أن المهرجانات التراثية التي تحتضنها الإمارة الباسمة كثيرة، وتمتلئ فعالياتها بالجدات والأجداد، الجدة آمنة المهيري كانت تجلس ترقب تلاميذها في خيمة الحرف التراثية بأيام الشارقة التراثية، اقتربت منها لأستمع من وراء برقعها الإماراتي الأصيل لحكاياتها مع الخراريف وأهميتها في تراث الإمارات، تحدثت الوالدة قائلة: كل ليلة كان يلتف حولي أحفادي لسماع الخروفة، التي أبدؤها بعبارة «كان يا ما كان في قديم الزمان كان هناك»، لأبدأ بعدها تفاصيل الخروفة، وما أن أبدأ برواية القصة حتى أجد جميع الأطفال جالسين يستمعون، ويتتبعون أحداثها وتفاصيلها، أما إذا ما توقفت عن الحديث، تداركني الأطفال بقولهم «وشو صار بعد ذلك؟»، لأرد عليهم بقولي لهم: «يا عيال دعوني أرتب أفكاري» لأواصل الخروفة شارحة للأطفال تفاصيلها، وما أن أرى صغاري قد انسجموا معي أتوقف لأقول لهم: «بنوقف ونكمل باجر، وتذكروا يا حلوين وين واقفين»، وأتبعها بعبارة تتلاءم وأوقات رواية الخروفة كقولي: «سيروا ناموا أو تصبحون على خير».
نوع من التفكير
تصمت الجدة ثم تعاود الحديث: عادة لا تتجاوز رواية الخروفة الشعبية 10 دقائق في اليوم الواحد، بهدف إيجاد نوع من التفكير لدى الأطفال ليحاولوا وضع تكملة لتلك القصة بأنفسهم، كل بمفرده، وليعرفوا نهاية تلك الخروفة، ويأتي اليوم التالي لرواية القصة، ويحين موعد استكمال الحكاية، وربما لا تحضرني الرواية إلا أن الأطفال يذكرونني ويخبرونني عن موضع توقفي للحكاية في اليوم السابق، لأبدأ من جديد مواصلة ما تبقى من التفاصيل، إلى أن أنتهي منها، وهكذا كل يوم».
صمت الجدة المهيري كان ملائماً تماماً لأسالها عن موقع الخروفة في زمن التكنولوجيا والشبكات العنكبوتية، أجابتني بلا تردد: «والله بتتلاشى يابنيتي» لم نعد نستطيع أن ننافس الأجهزة الحديثة كالتلفاز والمذياع والقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية التي تتنوع فيها القصص المصورة التي يستمتع الأطفال بمشاهدتها، أو الاستماع إليها طوال اليوم، ولكننا لم نفقد الأمل خاصة أننا في دولة تعتز بتراثها وتفخر به، ولتراثنا وحكاياتنا وتاريخنا مكان كبير ليس في قلوبنا فقط بل في كل فعاليات الإمارات الثقافية، لذا أقول إن الخروفة عالم لم ينته.