ظلت شوارع وأحياء وضواحي نواكشوط كغيرها من المدن الموريتانية تحت رحمة ملايين الأطنان من الأكوام المتناثرة من الحديد الذي تحول إلى نفايات بعد انتهاء صلاحيته ولعدة عقود كانت أطنان الحديد التي تصل البلاد مستوردة من الخارج على شكل سيارات ومعدات وأدوات كثيرة تتحول يوماً بعد آخر إلى خردة تسبب المتاعب لسكان العاصمة نواكشوط من خلال تناثرها في الأحياء ووجودها وسط الشوارع وداخل الأبنية.

لم تفلح كل خطط البلديات للتخفيف من النفايات الحديدية سواء عبر فرض الضرائب على المتسببين فيها، أو عبر محاولة نقلها خارج الأحياء وبعض الشوارع والأزقة التي منعت فيها حركة المرور.

لكن مع بداية الألفية الجديدة طرأ متغير على الساحة الاقتصادية سواء العالمية أو المحلية، وكان ارتفاع أسعار الحديد عالميا ليس عاملا مفرحا فقط للدولة الموريتانية التي تعتبر أكبر مصدر لخامات الحديد في القارة الإفريقية فحسب، وإنما لعشرات المواطنين الذين وجدوا في الخردة المتراكمة منجماً، واتجه المستثمرون نحو الحديد المستعمل من أجل إعادة تصنيعه وتصديره من جديد.

وكان تزايد الطلب على هذه النفايات كافيا لينعش مخيلة بعض الشباب الموريتاني الذي أنهكته البطالة، وصنعت هذه النفايات سوقاً محلياً يجمع هذه المادة ويقوم بعملية تصدير لها للخارج، حيث صار التنافس على جمع هذه البضاعة سمة بارزة يلحظها الرائي أينما اتجه ببصره نحو العاصمة نواكشوط.

ويجمع الشباب الخردة على عربات الحمير ويذهبون بها إلى بعض التجار وبيع الطن بما يعادل 600 أوقية (دولارين ونصف الدولار) ما شكل قفزة نوعية أضافت للسوق المحلي رافداً جديداً من روافد التنمية واحتضن عشرات الموريتانيين الذي كانت تتلقفهم البطالة بمخالبها القاتلة.

فصار من المعتاد أن تجد شبانا يجمعون الحديد، والبحث عنه في القمامة وفي مختلف أحياء العاصمة وفي القرى وعلى الطرق بين المدن، وأينما كانت هذه الطريدة ما شكل مصدرا للعيش لمئات الأسر الموريتانية، من خلال ابتعاث أبنائها للبحث في القمامات وفي أطراف المدينة عن بقية من الحديد علهم يدخلون بثمنها عالم التجارة أو تنفعهم في كسرة الخبز وحبة الدواء، وهو مشهد تلحظه كلما أجلت ببصرك في أحياء أحزمة الفقر التي ينتشر فيها هذا النوع من المتاجرة حيث تلحظ أولئك الصبية الذين لا تكاد تحس لهم بوجود لنحافة أجسامهم وكثرة ما عانوا من لهيب الهاجرة وعوامل التأثيرات البيئية، التي يتعرضون لها يوميا من أجل تحصيل قوت يومهم وعوائلهم الفقيرة التي أغمضتها حاجة البطون عن مستقبل أبناء لها في ريعان الشباب.

لكن ضيق ذات اليد جعل من هؤلاء الفتية وقودا لعملية تجارية من خلالها يوفرون ما يقيمون به أودهم ويعينهم على نوائب الدهر.

بل إن بعض الشبان النشطين تمكنوا من الحصول على عائدات مهمة من هذه المهنة الجديدة، فعبدالله من منطقة روصو اشترى سيارة جديدة من عائدات بيع قمامة الحديد.

ويروي قصة طريفة، فيقول إن السكان في البداية لم ينتبهوا لأهمية الهياكل الحديدية الملقاة في كل مكان من هياكل السيارات وهياكل الآلات التي لا يتبين نوعها الأصلي بسهولة نتيجة لما علاها من صدأ، وإنه عندما بدأ جمع الحديد من القمامة كانوا يستغربون ويتهكم بعضهم عليه.

ويضيف بعت الكمية لتاجر سنغالي بملغ 5 آلاف دولار، واشتريت سيارة مستعملة، وعندما صرت أمر بهم وأنا أقود هذه السيارة الفارهة عرفوا أنني لست مجنونا لأنهم مع الأسف لم يتركوا لي في هذه المدينة خردة واحدة بعدها.

ولا تتوقف طرافة عبدالله، بائع حديد مستعمل، عند هذا الحد عندما يقول نحن في عصر كل شيء فيه قابل للاستهلاك، فأنا اليوم عندما أرى كومة من الخردة يدخل قلبي من السرور ما لا تدخله رؤية الفتاة التي أحبها.

وعن شعوره بالامتنان لهذه المهنة التي جعلته غنيا، يقول: انها مهنة محترمة بالنسبة لي، والجميع لا يهمه سوى المال سواء جاءت من بيع الذهب أو إصلاح شبكة الصرف الصحي.