د. رشاد محمد سالم*

الخضوع في اللغة يدور حول معاني التطامن والتواضع والانقياد والطاعة والسكون، ومظهره الخارجي خضوع الأعناق وتطامنها؛ ولهذا نسب الخضوع إليها في قوله تعالى: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ »، [الشعراء: 4].
ولهذا يقال: اختضع الصقر: طأمن رأسه للانقضاض، وخضعت الإبل في سيرها إذا جدت؛ لأنها حينئذٍ تكون قد طأمنت أعناقها،
قال جرير:
ولقد ذكرتك والمطي خواضع
كأنهن قطا فلاة مجهل
كما يدل الخضوع على الميل فيقال: خضعت الشمس للمغيب، إذا مالت إليه.
والخضوع غالبًا ما يكون عن ذل أدى إلى هذه الاستكانة والانقياد، فأخضعه الفقر: أذله، ويقال: أخضعتني إليك الحاجة، وأخضع الرجل بالقول: ألان كلامه للمرأة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخضع الرجل لغير امرأته. (أي يلين لها القول بما يطمعها منه)، وقال تعالى: «فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ »، [الأحزاب: 32].
ولم يرد الخضوع في القرآن الكريم في غير الآيتين السابقتين، فالخضوع غالبًا ما يكون عن ذل من الخاضع؛ سواء أكان بطبعه أم لخوفه أم لضعفه.
والخشوع قريب من الخضوع، جاء في اللسان: قيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن وهو الإقرار بالاستخذاء، والخشوع في البدن والصوت والبصر، كقوله تعالى: «خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ»، [المعارج: 44]، وقوله سبحانه: «وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ »، [طه: 108].
قال ابن الأثير: «والخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن، يقال: خشع في صلاته، ودعائه إذا أقبل بقلبه على ذلك، وظهر أثره على جوارحه، فغض بصره، وخفت صوته، وسكنت نفسه؛ إذ أصل الخشوع في القلب كما قال علي بن أبي طالب: «الخشوع في القلب». وقال قتادة: «الخشوع في القلب، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة؛ فالخشوع مصدره القلب، لكن تظهر آثاره على الجوارح».
ولعل الخشوع مأخوذ من قولهم: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت، قال تعالى: «وَمِ
نْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ»، [فصلت: 39]. فاهتزازها وربوها الذي هو ارتفاعها مزيل لخشوعها.
وفي المصباح: الخضوع قريب من الخشوع، إلا أن الخشوع أكثر ما يستعمل في الصوت، والخضوع في الأعناق.
الخشوع - إذن- سكون القلب وتضرعه؛ بحيث تظهر آثار ذلك على الجوارح الظاهرة، فتخفت الأصوات وتنكسر الأبصار، وقد تذرف الدموع.
والخضوع جزء من الخشوع لاختصاصه بالبدن، قال تعالى: «وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا»، [الإسراء: 109]. وقال سبحانه: «وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا»، [طه: 108]. وقال: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ»، [الحديد: 16]. وقال تعالى: «خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ»، [القلم: 43].
وتلفت الدكتورة بنت الشاطئ - رحمها الله - نظرنا إلى أن خشوع المؤمنين لله في الدنيا، وخشوع الكفار والمجرمين والظالمين في الآخرة، وسره البياني - فيما ترى - هو أن خشوع الكفار في الآخرة لا يكون إلا بعد أن يأتي اليوم الذي يوعدون، فيخشعوا خوفًا ورهبة وذلة.
قال تعالى: «وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلّ»، [الشورى: 45].
أما المؤمنون فيخشعون في الدنيا عن صدق وإيمان وتقوى وخشية لله تعالى، قال سبحانه: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ»، [الأنبياء: 90].

* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة