توجّه الخطاب السردي في الإمارات وقتاً طويلاً إلى مناقشة قضايا التراث الثقافي المحلي، من خلال استحضار رموزه المادية والمعنوية في المعالجة السردية، محافظاً من خلال ذلك على هوية المجتمع وتراثه من الضياع والاندثار، ومعبراً في الوقت نفسه عن همومه وقضاياه التي تشعبت باطراد مستمر تساوقاً مع اكتشاف النفط وما صاحبه من تحول جذري أدى إلى تغير البنى الاجتماعية والاقتصادية في الدولة، فكان فيه نوع من الرصد للمتغيرات الجديدة وما نجم عنها .
هذا التوجه جعل السرد الإماراتي يتحول إلى حقل خصب للإبداع في وقت مبكر من عمر التجربة الإماراتية، لأن الخطاب السردي كما يقول الكاتب والناقد نجيب العوفي، يتحصن ويرقى كلما تخصب بميثولوجيته ورموزه، وسرديات تاريخه من قصص وسير أبطال وبطولات، مثلما يتحصن ويرقى كلما نجحت نصوصه في اقتناص ما يجري على الأرض أو يسري في الروح، مما هو مألوف ويومي وعادي في حياتنا .
ركز الكتّاب الإماراتيون في نتاجاتهم على الحياة القاسية التي واجهها المجتمع الإماراتي قبل اكتشاف النفط والمظاهر الاجتماعية التي لازمت المجتمع خلال تلك الفترة وكانت سمة من سماته الخاصة، فتحدثوا عن رحلات الغوص الطويلة بحثا عن مصدر للعيش، وصوروا حالة البحارة والأوضاع التي كانوا يعانونها بسبب الظروف القاسية، أو تسلط النوخذة وسطوته وظلمه، كما تناولوا الموروث الشعبي بما فيه من خرافات وأساطير، وحكايات شعبية، وأمثال، وحكم، بحذافيرها أحيانا وبتصرف في أحيان أخرى . وقد كان السرد القصصي، كما يقول الناقد د . صالح هويدي، أكثر أجناس الأدب ولغاته لصوقاً بالبيئة وصدوراً عنها وانغراساً في تربتها وفضائها ومعترك حياتها، وذلك بحكم طبيعته التشخيصية والمحاكاتية التي ترصد سيولة اليومي والمعيش، وتخترق أنسجة الجسم الاجتماعي ودفائنه . فكان الجنس الأول الذي استهوى أصحابه الكتابة عن التراث الثقافي ورموزه قبل أن تحظى الرواية بقسط وافر من تلك المعالجة، لأن ميدانها أكثر ملاءمة للتعبير عن هذه القضايا، حيث اتجهت في البداية إلى تصوير واقع البيئة الاجتماعية قبل النفط، فرصدت صوراً ومشاهد يعود أغلبها إلى بيئة البحر وما يتعلق بها، وذلك ما تعكسه بشكل واضح العديد الروايات التي من بينها: رواية شاهندة لراشد عبدالله النعيمي، وساحل الأبطال لعلي محمد راشد، وأحداث مدينة على الشاطئ لمحمد حسن الحربي، وتل الصنم، ثنائية مجبل بن شهوان، سلايم لعلي أبو الريش .
غاصت هذه الروايات وغيرها في عالم البحر وتفاصيله، وركزت بشكل خاص على النوخذة الذي ترددت أصداؤه فيها بصور مختلفة بعضها سلبي تناول صنوف الاستغلال والقهر والظلم الذي عانى منه البحارة بسببه، وذلك كما في رواية شاهندة لراشد عبدالله النعيمي، حيث صور فيها تلك المعاناة في مشاهد عدة من بينها مشهد التعذيب الذي تعرض له أحد البحارة عندما خالف أوامر النوخذة وحاول الحصول على الماء وشيء من التمر حيث يقول: . . جاءوا بالرجل فوق السفينة، وأمر بربطه في الساري، وجمع الرجال . . ليشهدوا هذا المشهد اللعين . . ثم أمر بجلده وقد جلد أمامهم . . ثم أمر بكيه بالنار . . فجاء ذلك الرجل الأسود . . بقطعة حديد حمراء لصقها بجسد الرجل . . وهو يصرخ حتى لم يستطع الصراخ . . ثم أمر النوخذة بربط بعض الحجارة في رجليه . . وألقوه بعدها بالبحر .
ويتابع راشد تصوير تلك المعاناة التي أدت إلى نوع من التمايز الطبقي الذي كان مدعاة لامتعاض البحارة من ممارسة النوخذة وتعامله معهم ويضيف: في هذا المساء كان بعض الرجال يريدون أن يقولوا كل ما لديهم عن ذلك الرجل . .فإنهم في عرض البحر عبيد . . وعلى الشاطئ فقراء . . يسرق هو وغيره مجهودهم خلال شهور الغوص، إن كل الذين يتحدثون هم الذين يغوصون إلى أعماق الخليج، يتعرضون لحافة الموت وأحيانا الموت نفسه، ويخوضون باللؤلؤ فيأخذه النوخذة علي . . ويباع بأسعار رخيصة . . ويأخذ منهم ما عليهم من ديون وهي في الأساس ديون وهمية ويظلون على هذا الحال جيلاً بعد جيل .
وتكرّس روايات علي أبو الريش تل الصنم، ثنائية مجبل بن شهوان، سلايم هذا المعنى وإن بصيغ مختلفة اقتضتها طبيعة المعالجة وثقافة الكاتب، حيث يشير في الأولى إلى غطرسة النوخذة وصلافته وقساوته في التعامل، وذلك حينما يمنع بحاراً أصيب بالعرج من الالتحاق بزملائه للغوض بأسلوب حاد لم يراع فيه نفسية البحار ولا ما آل إليه وضعه حيث يقول: أنت الآن لا تصلح للسفر، والغوض بحاجة إلى رجال أكفاء قادرين على مقارعة البحر . ويوغل أبو الريش في روايته الثانية في تفاصيل شخصية النوخذة وتوصيف ملامحها، وبداية ظهورها والظروف التي أفرزتها، فقدم بذلك رؤية تاريخية متكاملة وثّق من خلالها تاريخ هذا الرمز التراثي المهم، حيث جاء على لسان الراوي: فهذا الرجل كما أنه تورم في زمن الازدهار فهو أيضا كان سيد الثروات والمصائر في زمن الشح والفقر، وبحكم ما كان يملكه من شخصية متسلطة استغل هذا السوط في استئجار من يحيطونه بالخدمة، وإدخالهم في أعماق الخنادق المحفورة بأظافر الفقراء لجلب المزيد من الذهب والفضة، والأواني الفخارية التي اكتنزت بها الارض . . يحرض اتباعه في البحث والتقصي مقابل عطايا زهيدة . . وما إن حلت كارثة الحرب العالمية الثانية حتى انتفض هذا الرجل، نافخاً صدره المزهو بثروة لا تقدر بثمن .
تتكرر هذه الصورة مرة أخرى في رواية أبو الريش الثالثة سلايم وإن بشيء من الاختلاف، لكنها تحتفظ بسلطة النوخذة وهيمنته وتسلطه فالجميع يخفض رأسه في الأرض، سمعاً وانصياعاً . . ما يقوله النوخذة مسلم به ولا راد لكلامه . . النوخذة رجل متسلط وما يدور بين يديه من مال وجاه يمكن أن يسكت ألف أنثى .
وتحتفظ رواية أحداث مدينة على الشاطئ لمحمد حسن الحربي بظلال كثيفة لمكانة النوخذة الاجتماعية والاقتصادية من خلال وصف الكاتب على لسان الراوي لبيوتات المدينة حيث يقول: أغلب البيوت في (المريبضة) من دور واحد، إلا بيوت بعض الموسرين مثل بيت النوخذة راشد الحلي، الذي أضاف دوراً آخر إلى بيته العام، فبدا مرتفعاً عن بقية البيوت .
على النقيض من هذه الصور يقدّم الكاتب علي محمد راشد صورة ايجابية للنوخذة في روايته ساحل الأبطال تحتفي بقيمه وسلوكه وتعامله الحسن مع البحارة على عكس ما ورد في الروايات السابقة، وذلك من خلال الحوار اللطيف الذي دار بين النوخذة صالح وأحد البحارة، حيث ورد في الرواية: بعد ذلك دخل الربان كابينة القيادة وكان هناك خميس السكوني الذي يمسك بدفة السفينة . . كيف حالك خميس؟ بخير يا عمي، كم بقي على البر؟ لقد اقتربنا يا عمي وربما نصل . . .
هكذا تناولت جل القصص والروايات شخصية النوخذة ونشاطها وعلاقتها بالشرائح الاجتماعية الأخرى وبخاصة فئة الغواصين الذين كانوا الأكثر معاناة من غطرسة هذه الشخصية وتسلطها، فوثقت ملامح من تاريخ الحركة البحرية والتجارية في الإمارات من خلال حديثها عن النوخذة والغوص والغواصين، وحفظت ذكر هذه الرموز التراثية ونشرتها بين الناس .
ومن ضمن مظاهر توظيف الخطاب السردي للتراث الثقافي الإماراتي تناول بعض الروايات للحكايات الشعبية على اختلاف أنواعها: قصص، خراريف، سوالف، قصص أمثال، قصص التاريخية، سويلفات، قصص الدينية، حكايات الحيوان، حكايات المعتقدات، حكايات الفراسة، واستحضارها في المعالجة السردية باعتبارها مادة ثرية تحيل إلى تراث مجتمع وتعكس تمثله لواقعه وثقافة آبائه وأجداده .
وعلى الرغم من قلة توظيف القصة والرواية للحكاية الشعبية إلا ان ظلالها التراثية تبقى ماثلة ومخيمة في الرواية على وجه الخصوص . وقد سلك الكتّاب طرائق مختلفة، وأساليب متنوعة في توظيفها في نتاجاتهم الأدبية، وهو توظيف له خصوصياته المتعلقة بمضمون الحكاية بكل ما تمتلكه من خصائص المكان والزمان . ومن بين الكتّاب الذين تناولوا الحكاية في أعمالهم علي أبو الريش زينة الملكة، وأسماء الزرعوني الجسد الراحل، وسارة الجروان طروس إلى مولاي السلطان التي يلمح القارئ لروايتها ظلالاً جاءت على شكل ومضات تراثية رافقت العمل من بدايته إلى نهايته من خلال عائلة خليجية عريقة وما كابدته من متاعب الحياة ومشاقها في تنقلاتها المختلفة قبل أن يؤول بها الأمر إلى الاستقرار في الإمارات . ولم تخل الرواية من ذكر وتصوير للحياة التقليدية في منطقة الخليج بشكل عام والإمارات بشكل خاص . وقد قامت الجروان في عمل مستقل تحت عنوان: بنت نارج الترنج بتدوين 12 حكاية شعبية وتوثيقها من خلال ما استقته من أفواه الرواة، ودونت الكاتبة عائشة الزعابي ما يقارب 200 قصة شعبية متنوعة في كتابها القصة الشعبية في الإمارات، على أن العمل الروائي النسائي الأكثر تعرضاً للتراث الثقافي الشعبي واستحضار رموزه وقيمه وتقاليده وأعرافه يبقى ما قامت به الكاتبة آمنة المنصوري في روايتها عيناك يا حمدة التي عكست فيها وضعية المرأة في مجتمعها التقليدي ونظرته لها حيث تقول: عاشت حمدة في كنف أسرة تقليدية تحكمها نظرة المجتمع التي تبجل الذكر وتهمش الأنثى وكانت لتكون كذلك لولا أن أقدارها ساقتها كي تقف أمام أبواب الشوك، وتدخل نحو تاريخ لم تعشه ثم تحمل العديد من التساؤلات الحائرة والهواجس القلقة حتى تجد ضالتها في بيت خالها، فتأخذ حياتها منعطفاً آخر، وتولد من جديد إنسانة أخرى ترمي بها الأقدار أمام باب شوك آخر . وعلى المنوال نفسه سارت مريم الغفلي في روايتها طوي بخيتة المستوحاة من حكاية تراثية كانت تروى من لدن الأمهات والجدات في مناسبات مختلفة، وقد استطاعت الغفلي توظيف المادة بشكل روائي سردي برموزها التراثية .