تتأثر الفنون بجميع أشكالها، كما هو حال الأدب والفكر، بالتحولات الجديدة في العالم، سواء كانت تحولات اجتماعية أو سياسية أو فنية، وهو دليل على حيوية الفنون واستجابتها لمعطيات الواقع، كما أنه دليل على قوتها، في المشاركة، وبرهان على حضورها، ونجاعة إمكانياتها في التعاطي مع التحولات الجديدة، كقوة ناعمة اكثر إقناعاً، بما تتميز به من خصائص ورسائل تخاطب الوجدان والأحاسيس، وتحفز العقول على الإبداع والتفاعل الخلاق.
الخط العربي -على وجه الخصوص- وبوصفه ركيزة من ركائز الفن الإسلامي، كان حاضراً في حركة الفنون المعاصرة، ومتفاعلاً معها، رغم ما قيل عن ثبات منظومته الفكرية، ليثبت من جديد قدرته على مخاطبة العالم، بما تمتع به من قوة إيحاء ودهشة، وما صنعه من فضاء تجريبي معاصر، معتمداً على جمال حروفه وخطوطه، وهو في هذا السعي، قدم البرهان على إمكانياته الهائلة في الحفاظ على أصالته، وتقديم مقترحاته الجمالية والبصرية، وهو بهذا الانفتاح، شق طريقه في العالم، وعلى يدي الخطاط العربي والمسلم، مستبطناً العوالم الخفية للكون، وعلى تماس مع الأحداث، وما وفرته وسائل التكنولوجيا المعاصرة، ليصبح الحرف لغة هائلة بالمفردات والصور والتراكيب والتشكيلات والحروفيات، التي شكلت في مجموعها خطاباً فنياً معاصراً، بهوية ثقافية وحضارية متفاعلة، وليست منغلقة على ذاتها، وتقدم مقترحاتها الجمالية والبصرية بكل ثقة، مستمدة قوتها من روحية الأثر، والجوهر، والنقش، والنقطة، والكون، لترسم عالماً مقروءاً ومبصراً يستحوذ على الأفهام، ويستولي على العقول والقلوب.
في الدورة الثامنة من ملتقى الشارقة للخط العربي، وضمن عنوانه العريض «جوهر» تضمن برنامج الملتقى معرضاً تحت عنوان «المعاصر» يشارك فيه 36 خطاطاً من جميع أنحاء العالم، وهم: أكرم جاد الله، و تاج السر حسن من السودان، والطيب عامر، وجلال إبراهيم المحارب، وعقيل أحمد، ومحمود ديوب، ويحيى أبو سعدة، (سوريا)، و برودي نيونشواندر (بلجيكا)، و جمال السويدي و فاطمة الحمادي من الإمارات، و جمال نجا (لبنان)، و جميلة جوهر وفريد العلي (الكويت)، و حجة الله رانجبار، ومحمد مهدي يعقوبيان، و وحيد جزايري من إيران، و حسام عبد الوهاب ومحمد الصياد من مصر، و خالد حنيش، وسمية الحمدان، ومصعب الدوري و وسام الصائغ من العراق، و سالار أحمديان، وعلاء إسماعيل من كندا، و عباس يوسف (البحرين)، و عبدالله عكار، و فانسنت عبادي من فرنسا، ولولوة الحمود (السعودية)، و محمد سحنون، ومحمد بن خلف الله، و نجا المهداوي، ونور الدين عوني من تونس، و محمد لمين بن تركية (الجزائر)، و نصر الدين زيتوني (ألمانيا)، و نور صعب لبنان (المملكة المتحدة)، و هانز كريستيان بيرج (فنلندا).
القراءة الأولى في المعرض، تستفيد من ثراء الفنون الإسلامية، وتقدم مقترحات جمالية وفكرية، تخاطب روحية الشرق، وتنفتح على أسئلة الغرب، في حوار خلاق، يفتح سؤال الفنون، والاتجاهات الفنية المعاصرة، على علم الجمال والتذوق البصري، ضمن مناخات ما أفرزه العالم من تطور واكتشافات في علوم الكمبيوتر، ووسائل الاتصال، هنا، يواكب الخطاط مجريات العصر، باستثماره لوسائل جديدة، تخدم مسارات الخط العربي، في منظور ثقافي وجمالي وبصري، لا يخرج عن المضمون، ولكنه يستثمر الشكل في خدمة المضمون الروحي لجوهر الفنون الإسلامية.
الخط في المعرض ينفتح على فضاءات التجريد والرمز، والتعبير من خلال التجريد، هنا، جسد هائل من الخطوط والحروف والألوان والزخارف، والمنحوتات والتراكيب وانعكاسات الظلال والأضواء، التي تعكس تجليات الحياة، وبعبارة أصح، تعكس روح «الجوهر» الكامن في الحرف، على تخوم الحياة المادية، كأنه طيف من الترميزات، والصور التي لا تنفك، تركز على القيمة الجمالية التصويرية، أو تركز على تناسقها البصري. المعرض يقدم بانوراما من سحر الأشكال، باعتماد معالجات تقنية، وإحساس تجريدي لا يفقد بوصلة البحث عن الجانب الجمالي المجهول للجمال الطبيعي.
هنا، أيضاً يبرز «الحرف» كأنه معجزة الجمال السابح في الكون، وكأنه ذلك الإعجاز المبدع للغة، الذي عرف كيف يوجه الإبداع، ويفتح مخيلة الخطاط على المغامرة، مستخدماً مواد خام متنوعة، من المعادن والأخشاب والخيوط والتراكيب والأشكال الهندسية والزخرفية، ليعبر عن مضامين روحية، وفكرية، وعملية، ويحرك بالتالي ذائقة الفنون، وجماليات الفنون، برؤى متنوعة في توظيف الخطوط، والأشكال، كأنها قطعة موسيقية، ذات إيقاع بصري يتأمل الموجودات، ويخاطب الانفعالات، في تناسق بصري وتصويري أخاذ ومدهش.
فعلى سبيل المثال، يقدم تاج السر حسن باستخدامه لمواد مختلفة على قماش وباستخدام الأكريليك ما يطلق عليه «من يوقف النزيف» وهو منظور تشكيلي للحرف، يعتبر امتداداً لمشروعه في اعتبار الخط - كما يقول - أكثر من مجرد رمز دلالي، وأن الجماليات الظاهرية للحروف، توازيها جماليات أخرى لا تقل أهمية، كامنة في المعنى والمضمون، الذي تفصح عنه الحروف، هنا تكشف أعماله عن بعد معاصر، تندمج فيه مكونات الخط مع اللون، مع المعنى الظاهر الذي تعبر عنه كلمة «النزيف».
الخطاط الطيب عامر، يدخل الحرف على فضاء اللوحة، بتصميم ومسحة لونية من الأزرق الشفيف، في هارمونية توقظ حس المشاهدة، من قدرة على توظيف الحرف في التشكيل، بينما يقدم جلال إبراهيم المحارب لوحة حروفية عنوانها «جوهر الإمارات زايد» من أحبار وأكريليك على قماش، في صورة تدهش المشاهد لجماليات تشكيل الحرف مع اللون، مع المعنى الذي يكسبه عنوان اللوحة «جوهر» في تعاطيه مع زخم وأهمية ما تركه المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه.
من جهة أخرى، ومستفيداً من قدرته على النحت، ها هو جمال السويدي يوظف الحرف مع اللون، في منحوتة من الفيبر جلاس المطلي، بعنوان «الحب الأزرق» لاستمالة المشاهد لقوة المعنى والرمز، هنا، لا معنى للحرف من دون ارتكازه على معطى جمالي وتصويري، يستحق قراءة جديدة في منظور الشكل.
أيضاً، ينثر جمال نجا البيت الشعري «على قدر أهل العزم» باستخدام خط التعليق بأسلوب حر، وتقدم جميلة جوهر منحوتة خزفية من السيراميك في اشتغال جمالي تطلق عليه «حروف الخزف».
بدوره يقدم حسام عبد الوهاب منحوتة حروفية، وبناءً تشكيلياً ملوناً، يؤسس لمكون بصري جمالي، ويشاركه هذا التوجه عبدالله عكار مستفيداً بدوره من قدرة الشعر على الإيحاء، وباستخدام طاقات الحرف على التشكيل، وهو ذات التوجه الذي يتجلى في أحد أعمال فاطمة الحمادي بعنوان «جوهرة حروفية» التي تمنح المتلقي إحساساً عارماً بجاذبية وجمال المكون البصري في اللوحة. الحرف منحوتاً، ظهر في عمل محمد سحنون، مستخدماً الآية القرآنية «فاصبر لحكم ربك»، أما نجا المهداوي صاحب المدرسة الفريدة في الحروفية فيعرض عملاً مبهراً ينسجم مع أسلوبه في ابتكار يجمع بين هوية الفنون العربية الإسلامية والمعاصرة، حيث لوحاته التي تتشابك فيها الحروف مع التشكيلات الهندسية واللونية المدهشة.
سمية الحمداني تتكئ على فن الخزف، فتصوغ لفظ الجلالة، بأسلوب تشكيلي بديع، مع مسحة لونية، أما عباس يوسف الذي يلقب بشيخ الخطاطين في البحرين، فيعرض عملاً نحتياً من مواد مختلفة، ويعتبر امتداداً لتجربته في الاشتغال على السطح، والحروف في لوحته ركيزة لتأسيس المضمون الجمالي والتصويري، ناهيك عن استخدامه للون وهو أحد مكونات اللوحة عنده، يبرز يوسف بأسلوبه التجريدي الذي يعبر عن رؤية جمالية تستفز مخيلته الإبداعية في معظم اشتغالاته.
عقيل أحمد يستخدم توليفة من الحروف على سطح هندسي دائري، يعالج مضمون «الجوهر» في الفن الإسلامي، انطلاقاً من تناغم الشكل والمضمون، فالدائرة ذات بعد رمزي إيحائي يفيد معنى الوحدانية، وهي دائرة تتسع ثم تصغر إلى ما لا نهاية من الحدس الذي يلامس مكنونات وأسرار الكون، عبر تجليات معاني ودلالات الحروف.
الفرنسي فانسنت عبادي الشهير ب«زيفا» وهو بالأساس فنان جرافيتي، يبرز في معرض «معاصر» بوصفه صاحب رؤية في إبداع وتشكيل الحروف، فهو من أبرز الفنانين الذين يشكل الحرف بالنسبة إليهم مادة للبحث، حيث يرى فيه إمكانات هائلة على التصوير والتشكيل الذي يمكن الاتكاء عليه لفهم عناصر المشترك الإنساني بين الشعوب، لا سيما أن عمله الجديد يحمل اسم «الأرض هي بلدي والإنسانية هي عائلتي».
فريد العلي خطاط مهتم بالتشكيلات الهندسية للحروف، يقدم في «معاصر» عملاً بعنوان «لغة الضاد»، وفيه تبرز مهارته العالية في توظيف الخط مستفيداً من دراسته للهندسة المعمارية، تتجلى جماليات الخط لديه من خلال ابتكار تصاميم حروفية، عبر استلهام آيات قرآنية كريمة، معتمداً على لين الحروف واحتمالاتها الهائلة في التكوين والتشكيل.
وهكذا، يشكل معرض «معاصر» تحفة فنية بصرية تعتمد على الحرف في ثراء جمالي باللون والتشكيل، وبناء علاقات جديدة في أفق الفنون المعاصرة، هنا، يتشكل الحرف، حيث الخط العربي ركن أساسي في التجريدات الإسلامية، وهو يحفز الخطاط على استثمار أقصى ما لديه من إبداع، ينطلق من جوهر الفنون الإسلامية، ويتقاطع مع الفنون المعاصرة، في ملتقى الشارقة للخط العربي، حيث كان ولا يزال الخط، ملهماً، ومحركاً، وقابلاً للتطور، واستيعاب أساليب جديدة، تنسجم مع روحية العصر، في فضاء التعبير التشكيلي الجديد، هو الحرف، وتشكيلات الحروف والألوان، على سطوح لامعة، ومنحوتات خزفية، وخشبية، وكتل حديدية، وأشكال هندسية بين الدائرة والهرم والمربع والمستطيل.. هنا، الحرف بداية، والكلمات لها معنى، والخطوط مقروءة، ومنسوجة، وتعبر عن رؤى مبدعة، وطاقة تعبيرية وتجريدية هائلة.
هنا، الحرف مبتدأ، والفضاء مفتوح على القراءة، تلو القراءة، هنا، المرئي، واللامرئي من المعاني، والرموز، والدلالات، هنا ذاكرة، وحدس، وتوقع، وقيمة، ومعرفة، وأسرار لا نهاية لها من طاقة الحرف، ورصانة اللغة، وجماليات النغم وموسيقى الكلام.
الخط العربي يخاطب العالم
9 أبريل 2018 02:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 أبريل 02:33 2018
شارك
الشارقة: عثمان حسن