ارتفعت حدة الخلافات الزوجية في كل الدول العربية والإسلامية من دون استثناء حيث تشير الإحصاءات والدراسات الاجتماعية إلى تزايد هذه الخلافات وفشل جهود الإصلاح وارتفاع عدد المطلقات وما يترتب على ذلك من نزاعات قضائية ومشكلات اجتماعية ونفسية وتشريد للأبناء .
رصدت دراسة اجتماعية جديدة أجريت في جامعة القاهرة ظاهرة تنامي الخلافات الزوجية داخل الأسر المصرية وارتفاع حدتها في السنوات الأخيرة حيث كشفت الدراسة أن 88% من الأسر محل الدراسة وعددها 3000 أسرة تعاني من مشكلات زوجية، وأن أغلب هذه المشكلات كانت في أسر حديثة التكوين . . أي بين أزواج وزوجات من الشباب .
في ظل فشل الجهود الاجتماعية المبذولة لتصفية كثير من الخلافات والنزاعات الأسرية في عالمنا العربي يبحث الجميع عن حلول واقعية حفاظاً على كيان الأسرة وحرصاً على مصالح كل أطرافها . ويبقى السؤال المهم: كيف تعامل الإسلام مع هذه المشكلات والأزمات الأسرية؟
الخليج طرحت هذا السؤال على عدد من علماء الإسلام . . فبماذا أجابوا؟
في البداية يؤكد الدكتور محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية والأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر ضرورة الوقوف على أسباب ودوافع هذه المشكلات وتصنيفها من أجل التعامل الواعي معها، مشيراً إلى أن هناك أسباباً كثيرة ظاهرة لكل من يدقق النظر في مشكلاتنا الزوجية والأسرية ويقف على الخلافات والمشاحنات التي تهدد استقرارنا الأسري والاجتماعي، أبرزها أن هذه الأسر التي تعاني من الخلافات لم تبن أساساً على هدي الإسلام، حيث كبلت من البداية بأعباء اقتصادية فوق طاقتها، ولم يحسن كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية اختيار شريك حياته .
إهمال متبادل للواجبات
وإلى جانب كل ذلك هناك إهمال متبادل للواجبات الزوجية حيث انشغل كل واحد بحقوقه وأهمل واجباته، والإسلام عني بحقوق كل من الزوجين فجعل للرجل حقوقاً وعليه واجبات وجعل للمرأة حقوقاً وعليها واجبات، وعندما يقوم كل طرف بواجباته فسيحصل حتماً على حقوقه، لكن المشكلة تكمن في المطالبة بالحقوق فقط .
كما أن ترك الخلافات الزوجية تتفاقم وتترك رواسب سلبية لدى كل من الزوج والزوجة وإهمال المنهج الإسلامي المتوازن في علاج هذه الخلافات هو الذي يجعل العلاقة بين الزوجين تصل إلى طريق مسدود وتنتهي بالطلاق، الذي يعتبر وقوعه من دون دوافع قوية وضرورية كارثة اجتماعية خاصة عندما يكون بين الزوجين أطفال .
من هنا نطالب بضرورة التدخل السريع من جانب الأسرتين لإنهاء كل خلاف يظهر على السطح بين الزوجين وأن يكون منهج الإسلام وتعاليمه وآدابه هادية لكل من يتدخل لإنهاء الخلاف بين الزوجين، وعلى كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية أن يدرك أن الغاية التي ينشدها الإسلام من قيام الأسرة تتركز في حياة المودة والسكينة والهدوء والطمأنينة، فتسكن الزوجة إلى زوجها ويسكن الزوج إلى زوجته، وتشرق بينهما حياة ظليلة تكتنفها المودة والرحمة كما قال الحق سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة . إنها الحياة الآمنة المطمئنة التي لا تلاحقها المخاوف . ولا تزعجها القلاقل والتي يعيش فيها الزوجان وكل منهما ستار للآخر يقي صاحبه من الجنوح إلى الخطأ أو الانحراف، ولو أدرك كل من الزوجين ذلك لما عرفت الخلافات المدمرة طريقها إلى حياتهما، ولانتهى كل خلاف يطرأ في حياتهما في وقته من دون أن يشعر به أحد من المحيطين بهما .
خلل في القيم
الداعية والفقيهة الدكتورة سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر تحذر من طوفان الخلافات الزوجية التي تعصف بتماسكنا الأسري وترابطنا الاجتماعي وتقول: الزواج نعمة من نعم الله عز وجل، والطلاق جحود لهذه النعمة، والإسلام لم يشرع اللجوء إلى الطلاق إلا عند الضرورة، وذلك بأن يصل الخلاف بين الزوجين إلى طريق مسدود يصعب معه الإصلاح، ولقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان الذي يلجأ إلى الطلاق من دون حاجة أو ضرورة سواء أكان هذا الإنسان ذكراً أو أنثى، فقال: لعن الله كل ذواق مطلاق، أي لعن الله كل رجل يتزوج بامرأة ليتمتع بها لفترة من الوقت، ثم يطلقها ليتزوج بامرأة أخرى بقصد اللذة والشهوة .
وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس أي من غير ضرورة حرام عليها رائحة الجنة .
وعندما تكون هناك دواع للطلاق، فإن شريعة الإسلام تقوم على اليسر وتتناسب مع الفطرة الإنسانية، لأنها وإن كانت تقدس الحياة الزوجية، وتدعو إلى دوامها، إلا أنها في الوقت ذاته تقدر ما بين الطباع الإنسانية من خلاف، وإذا ما وصل الخلاف بين الزوجين إلى حالة لا يمكن معها الإصلاح كان من الخير لهما الافتراق: وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً حكيماً .
والواقع أن ارتفاع معدلات الطلاق في البلاد العربية والإسلامية الآن يكشف عن خلل واضح في القيم والمعايير التي على أساسها يتم الاختيار بين طرفي العلاقة الزوجية حيث لم تعد القيم والضوابط ومعايير الاختيار الصحيح التي حث عليها الدين هي التي تحكم معايير اختيار الزوج المناسب أو الزوجة الصالحة التي حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الزوجة التي تربت في بيئة دينية واجتماعية جيدة وليست الزوجة الثرية أو الجميلة أو التي تنتمي إلى أسرة عريقة وتفتقد أهم القيم والمعايير الأخلاقية التي تأتي من التدين الصحيح والفهم العميق للواجبات الزوجية .
ولذلك أرى أن الآباء يتحملون المسؤولية الأولى عن طلاق أبنائهم وبناتهم فهم لم يساعدوهم على حسن الاختيار، ولم يقوموا قبل ذلك بتربية أبنائهم على احترام وتقديس الحياة الزوجية، وبعد الزواج لم يقوموا بواجباتهم في النصح والتوجيه والمساعدة في حل الخلافات التي تنشب بين الزوجين أولاً بأول وعدم تركها لتتفاقم وتصل بهما إلى الطلاق .
حواجز أمام الطلاق
ولكي نواجه شبح الطلاق الذي يهدد مجتمعاتنا العربية كافة يرى الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ضرورة أن نعود إلى تعاليم ومبادئ ديننا لنحمي مجتمعاتنا من كل ما يعرض استقرارها للخطر . . ويقول: الذي يتدبر شريعة الإسلام، ويتفهم أحكامها وآدابها يراها قد وضعت كثيراً من الحواجز التي تحض على بقاء الحياة الزوجية بين الزوجين إلى نهاية أجلهما، ولم تسمح بالطلاق إلا في أضيق الحدود، وعند الضرورة القصوى التي لا مفر منها، والتي تكون من باب ارتكاب أخف الضررين .
ومن أهم الحواجز والسدود التي أقامتها شريعة الإسلام في طريق الطلاق حسن الاختيار، بمعنى أن يختار كل واحد من الزوجين شريك حياته، ممن تتوافر فيهم وفيهن الاستقامة والعفاف والسلوك الحميد، والتقارب في النواحي العقلية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك لأنه من المتعارف عليه عند العقلاء، أنه كلما تقاربت هذه الصفات بين الزوجين، كانت الحياة الزوجية أقرب إلى الدوام والاستقرار والسعادة .
أما الحاجز الثاني الذي جاءت به شريعة الإسلام لاستقرار الحياة الزوجية وعدم تصدعها بالطلاق فيتمثل في التنفير منه والنهي عن كل ما يؤدي إليه، ويكفي ما قاله رسول الله في هذا الشأن فقد وصف الطلاق بأنه أبغض الحلال إلى الله وقال في حديث صحيح: إن من أعظم الذنوب عند الله تعالى رجل تزوج امرأة، فلما قضى حاجته منها طلقها وذهب بمهرها وقال في توجيه نبوي آخر أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة، كما حذر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من محاولة إفساد العلاقة بين رجل وزوجته فقال: ليس منا من خبب امرأة على زوجها أي ليس على سنتنا وشريعتنا السمحاء من أفسد العلاقة الطيبة التي تكون بين الزوجة وزوجها سواء أكان الذي فعل ذلك من الأقارب أم من غيرهم .
كما جاءت شريعة الإسلام بحواجز وقيود أخرى للحد من مشكلة الطلاق، فقد اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع إلا من الزوج المسلم العاقل البالغ المختار غير المكره، كما اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع على المرأة إلا إذا كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها على سبيل الحقيقة، أو كانت في عدتها من طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى، بل إن بعض الفقهاء يرى أن الطلاق لا يقع على المرأة في حالة حيضها أو نفاسها .
وهناك إجراء آخر أكدته شريعة الإسلام للحد من مشكلة الطلاق وهو تدخل الأهل والأقارب للإصلاح بين الزوجين، فالله سبحانه وتعالى يقول في هذا الشأن: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً .
كما حثت شريعة الإسلام كلاً من الزوجين على الاستجابة لجهود الإصلاح بينهما، ولنا أن نتدبر قول الحق سبحانه وتعالى: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً .
ومن الحواجز والسدود التي وضعتها شريعة الإسلام للحد من الطلاق التدرج في إيقاعه، والتريث في النطق به، وعدم التسرع في طلب المفارقة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدرج في قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة أي يا أيها النبي الكريم أخبر أتباعك إذا أرادوا أن يطلقوا النساء، بأن يطلقوهن في طهر لم يجامعوهن فيه، وأن يحفظوا وقت العدة ليعرفوا وقت المراجعة لزوجاتهم، وقد أجمع العلماء على تحريم طلاق المرأة في حال حيضها أو نفاسها .
لو التزمنا بكل ذلك وقام كل من الزوجين بما عليه من واجبات قبل أن يطالب بما له من حقوق وأن يتحمل كل طرف منهما ومسؤوليته بصدق وأمانة وشرف لواجهنا مشكلة الطلاق التي تتفاقم الآن في العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية .