الخلافات الزوجية يحلها اتباع المنهج الإسلامي

وقوعها أمام الأبناء ينعكس سلباً على نفسياتهم
00:29 صباحا
قراءة 6 دقائق

الحياة مملوءة بالمشاكل والسلبيات.. بالمخالفات والخلافات.. سلوكيات غير مستقيمة لا تتفق مع تعاليم الدين الحنيف.. تؤثر في النشء والشباب.. وبالتالي في الأمة كلها حاضرها ومستقبلها.. ومن أجل الإصلاح لابد أن نبدأ من الأسرة النواة الأولى للمجتمع وبداية البنيان التربوي والديني.. وعادة لا تخلو من الخلافات بين الزوجين والتي تؤثر مباشرة في الأبناء وهذه الخلافات مهما صغرت أو كبرت فإن حلولها تكون بسيطة إذا تم حصرها بين الزوجين فقط.. ولكن تدخل أي طرف ثالث قد يفسد هذه العلاقة المقدسة ويزيد الأمور تعقيدا.

يؤكد علماء الدين والاجتماع أنه لابد أن يعرف كل طرف حقوقه وواجباته وأن يتسامح مع شريك حياته بالاحترام المتبادل والطاعة والإحسان.. وأن المنهج الإسلامي القويم قد وضع أسسا راسخة تضمن حياة أسرية خالية من المشكلات لأن هذا المنهج يعالج الخلافات قبل وقوعها.

وينصح العلماء بعدم بحث الخلافات أمام الصغار لأنها تؤثر فيهم بشكل كبير وتخلق لديهم عقدا نفسية يصعب حلها وسلوكيات سلبية يصعب تصحيحها ولذلك فإن الحلول تبدأ من الأسرة.

د. عفاف النجار أستاذ الشريعة وعميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية تؤكد أن الإسلام الحنيف وضع أسسا ثابتة لقيام الحياة الزوجية السعيدة الخالية من المشكلات العاصفة لذلك فهو لم ينتظر حتى تقع المشكلات كي يتدخل لعلاجها وإنما بادر بعلاج أسبابها وتقول: أول هذه الأسس حسن الاختيار الذي يجب أن يراعيه الطرفان (الزوج والزوجة) حيث أوصتنا تعاليم شريعتنا بأن يكون اختيارنا على أساس الخلق والدين.. قال تعالى: ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم وإن كان الإنسان يجذبه الجمال والحسب والنسب في المرأة فإن الشرع لم يحرمه من ذلك لكن أرشده إلى أن الدين هو الأفضل.

الرضا وحسن المعاشرة

ولم يحرم الشرع المرأة كذلك وولي أمرها من هذا الاختيار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم من ترتضون دينه وخلقه فزوجوه وليس هذا فحسب بل حذر من الوقوف في وجه هذا الأساس فأنهى حديثه الشريف بقوله: إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

وتضيف د. عفاف أن ثاني هذه الأسس التي تضمن حياة خالية من المشكلات، الرضا والقبول، فالزواج المستقر لابد أن تتوافر فيه الإرادة الكاملة والرضا التام لكل من الزوجين، فالزواج حياة مشتركة وعلاقة فيها قصد الدوام والاستمرار وليس لقاء عابرا لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن.

ثالث تلك الأسس حسن المعاشرة والمعاملة بين الزوجين، بل إن ذلك جاء بصيغة الأمر المباشر للأزواج في القرآن الكريم فقال تعالى في سورة النساء: وعاشروهن بالمعروف وكذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا فقال: استوصوا بالنساء خيرا بل إنه عليه الصلاة والسلام جعل ميزان الخير للإنسان في الطريقة التي يعامل بها زوجته فقال: خيركم خيركم للنساء.

فالإسلام في جملته والكلام لا يزال للدكتورة عفاف النجار يريد أسرة مستقرة وبيتا مسلما سعيدا بعيدا عن المشكلات وحياة زوجية مملوءة بالسكينة والحب والمودة، فإذا تحققت تلك الشروط والأسس عند قيام الأسرة المسلمة ضمنت الحياة بعيدا عن المشكلات وكانت هناك علاقة عكسية بين توافر الأسس وظهور المشكلات.

علاج النشوز

د. أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية ورئيس جامعة الأزهر السابق يؤكد أن الاحترام المتبادل بين الزوجين هو أساس العلاقة الزوجية فالإسلام يرفض أن يستغل الزوج سلطاته داخل الأسرة لكي يسيء إلى زوجته ويهينها، كما يرفض الإسلام أن تستغل المرأة معاملة زوجها الطيبة لها وتحاول الإساءة إليه بأي شكل من الأشكال.. ويقول: المرأة مطالبة شرعا بطاعة زوجها فمن حق الزوج على زوجته أن تطيعه في غير معصية الله تعالى: ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله.

ويضيف: ولا شك أن الزوجة حين تكون مطيعة لزوجها فسوف يقابل إحسانها بالإحسان وطاعتها بالطاعة ويتبادلان الحنان والبر والمودة، وإذا بحثنا في أسباب الخلل الذي نعاني منه في حياتنا الزوجية لوجدناه يرجع إلى إهمال الواجبات المتبادلة بين الزوجين وتجاوز كل منهما لإطار المودة والرحمة الذي رسمه الإسلام، ولذلك تتفاقم الخلافات الزوجية ويحل البغض محل الحب والود بين الزوجين.

ويرى د. أحمد عمر هاشم أن العلاج في الحلول التي جاء بها الإسلام، فعندما تتمرد الزوجة على زوجها وتحاول الإساءة إليه يكون الزوج مطالبا بتطبيق ما طالب به الحق سبحانه وتعالى في قوله: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا، وهذه الآية الكريمة توضح مراتب إصلاح الزوجة في الوعظ والنصح والإرشاد بما يصحح الفكر وينبه العقل ويوقظ الضمير.

ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي الهجر في المضاجع فلا يعاشر الرجل زوجته المعاشرة الزوجية ولا يلتقي معها بوجه في الفراش وهذا الأمر شديد على المرأة التي تحترم مشاعرها.

ثم تأتي بعد ذلك والكلام لا يزال للدكتور احمد عمر هاشم مرحلة الضرب غير المبرح إذا لم يفلح الوعظ والهجر فهناك نساء لا يستجبن للنصيحة ولا يؤثر فيهن الهجر ولا يصلحهن إلا الضرب فإذا استنفد الزوج كل وسائل تقويم زوجته وظلت المرأة على تمردها وعصيانها وجبروتها فهنالك وسيلة أخرى تخرج عن إطار الزوجين وهي تحكيم أهل الخير من الطرفين والله سبحانه وتعالى يقول: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا.

عقد نفسية متراكمة

د. محمد سيد خليل أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس يحذر من خطورة إهمال الخلافات بين الزوجين حتى تصل الأمور إلى درجة الشقاق، فأي خلاف لا يعالج في بدايته يهدد الحياة الزوجية ويعرضها للانهيار والتفكك وأكثر ما في ذلك من خطورة أن يحدث هذا الخلاف على مرأى ومسمع من الأبناء لأن ذلك يؤثر في نفسيتهم سلبا، ويخلق داخلهم العقد لذلك نرى الكثير من الفتيات يعرضن عن التفكير في الزواج لأن هذا الأمر قد ارتبط في أذهانهن بالمشكلات والإهانة بين الزوجين قياسا على ما كان يحدث بين آبائهن وأمهاتهن، وفي حالات أخرى قد ينعكس بالرغبة في الانتقام من الرجال، فالفتاة تتصور أن كل الرجال يسعون لإذلال النساء فتحاول أن تصبح هي المتسلطة، والشيء نفسه قد يحدث بالنسبة للشباب الذكور وهذا ما يفسر جانبا من العزوف عن الزواج رغم توافر الإمكانات المادية والقدرة البدنية والصحية.

ويضيف: ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل قد يتعداه إلى السلوك العدواني مع أفراد المجتمع كله نتيجة التفكك الأسري الذي يعتبر نتيجة طبيعية لعدم الالتزام بالمبادئ والتعاليم الدينية التي تمثل المنهج الذي يضمن حياة أسرية واجتماعية خالية من المشاحنات والمشاجرات.

ويرى د. محمد خليل أن هناك الكثير من الضغوط التي تجعل الحياة الأسرية مملوءة بالتوتر والمنغصات لكنه يؤكد أنه ينبغي على كل أب وأم مراعاة وجود الأبناء وهما يناقشان مشكلاتهما فلا تصدر منهما أفعال وتصرفات تنعكس سلبا على نفسية الأبناء، وكثير من الأبحاث والدراسات الاجتماعية ترجع عدم الاستقرار الأسري بين الأزواج إلى البيئة والأسرة التي تربوا فيها وهم صغار.

هموم الحياة

أما د. عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية فتبدأ حديثها بنصيحة للأزواج ألا يجعلوا ضغوط الحياة والعمل والمشكلات المادية تنعكس على علاقاتهم الأسرية بالزوجات والأبناء ويجب على الإنسان أن يخلع همومه على باب بيته كما يخلع حذاءه.. وتقول لابد أن يتعامل الزوج مع زوجته وهو خال تماما من أية انفعالات أو توترات حتى ولو كان غاضبا منها، لأن الشدة ومحاولة فرض الرأي بالقوة على المرأة ستأتي بنتائج وخيمة على الأبناء.

وتشير د. عزة كريم إلى ضرورة أن يقضي الزوجان على الخلافات الزوجية في مهدها، ويحولاها إلى وسيلة للحوار والتفاهم وتقول: لن يحدث ذلك إلا إذا راعى الزوجان عدم استعمال الكلمات الحادة والعبارات العنيفة لأنها تؤدي إلى صدمات وجروح عاطفية.. ويجب ألا يلجأ أحد الطرفين إلى الصمت لأن ذلك حل سلبي يؤدي إلى العقد النفسية وضيق الصدر وكذلك عدم اتباع أسلوب التهكم والسخرية ولا التشبث بالرأي والإنكار والرفض.

وليحذر الزوجان أسلوب التعالي بالنسب أو المال أو الجمال أو الثقافة لأنه أحد الأسباب الرئيسية لانهيار جسور الود بين الزوجين ومن الأفضل أن يلجأ الزوجان إلى محاسبة نفسيهما والاعتراف بالخطأ والاعتذار إذا لزم الأمر لأن ذلك يذيب كل خلاف.

وقبل ذلك كله فإنه ينبغي على الزوجين أن يرضيا بما قسم الله تعالى، وأن يعلم الرجل أنه ليس الوحيد الذي يختلف مع زوجته، لذلك ينبغي التنازل عن بعض الحقوق، لأنه من الصعب جدا أن يضخم كل منهما حقوقه ويطالب بها كلها دون تنازل.

وأخيرا ترجع د. عزة كريم أي خلاف أو عنف يحدث بين الزوجين أو داخل الأسرة إلى إهمال وتجاهل القيم الأسرية المنظمة للعلاقة بين كل أفراد الأسرة والتي رسمها لنا الإسلام في قواعد متينة لا تزعزعها عواصف الدهر ولا تضعفها مآسي التقلبات المادية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"