أحل القرآن الكريم للناس كل ما هو طيب من طعام وشراب، ولم يحرم عليهم إلا الخبائث من المطعومات والمشروبات، والرسالة التي جاء بها رسول الإنسانية من عند ربه وبلغها للناس كان من أصولها أنه صلى الله عليه وسلم: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .

والخمر كان على رأس الخبائث التي حذرنا منها القرآن الكريم، وتدرج في تحريمه مراعاة لظروف الناس الذين تعودوا على تناوله وأدمنه بعضهم .

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة .

والسائلون في قوله سبحانه ويسألونك . . هم المؤمنون وسؤالهم عن الحكم الشرعي من حيث الحل والحرمة، لا عن الحقيقة والذات، لأنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما .

تدرج تشريعي

والخمر كما يقول الشيخ محمد الراوي أستاذ التفسير وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يطلق على كل ما يغطي العقل ويستره ويمنعه من النطق الصحيح، ومن التفكير السليم، ومن السلوك السوي .

والميسر: المقصود به القمار، وهو مشتق من اليسر بمعنى السهل، لأن المال الذي يأتي لمن يتعاطى القمار يأتيه من غير جهد وتعب . . وهو يشمل كل كسب يجيء بطريقة الحظ المبني على المصادفة، فاللعب بالورق على مال يسمى قماراً، واللعب بأي وسيلة على مال يسمى قماراً، ولذلك قال العلماء: كل ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبني على المصادفة يعد قماراً . وتحريم الميسر تحريم للفعل ذاته، فالعمل في ذاته حرام والكسب عن طريقه حرام .

قصد القرآن الكريم كما يوضح الشيخ الراوي التدرج في تحريم الخمر مراعاة لظروف المجتمع وتأصل عادة أو رذيلة تعاطي الخمر فيه، فكانت الآية السابقة أول آية نزلت في الخمر، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، وهي قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .

ثم نزلت آيات (سورة المائدة) وهي قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه .

جاء في سنن أبي داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزل قوله سبحانه: يسألونك عن الخمر والميسر فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزل قول الحق سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . .، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت آيات المائدة، والتي ختمت بقوله تعالى: فهل أنتم منتهون، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: انتهينا يا ربنا .

ما هو الخمر؟

قال جمهور العلماء: إن كلمة خمر تشمل كل شراب مسكر، سواء أكان من عصير العنب، أم من الشعير، أم من التمر، أم من غير ذلك، وكلها سواء في التحريم، قل المشروب منها أم كثر، سكر شاربه أم لم يسكر . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام .

وقال بعض الفقهاء: إن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط . . أما المسكر من غير عصير العنب فلا يسمى خمرا، بل يسمى نبيذا، وبذلك قالوا: إن المحرم قليلاً كان أم كثيراً هو الخمر من العنب . . أما النبيذ فكثيره حرام، وقليله حلال، لكن رجح العلماء رأي الجمهور وقالوا: إن كل شراب أسكر فإن قليله وكثيره حرام، ويؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شراب أسكر فهو حرام، وذلك عندما سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل . . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام .

لا صلاة للسكارى

وقوله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، يحمل نهياً عن تعاطي الخمر، فلا يجوز للسكارى أن يدخلوا في صلاة وهم في حالة سكر، لأن الصلاة تحتاج إلى وعي وتركيز فهي عبادة، ولا بد أن يؤديها المؤمن بكامل مشاعره وجوارحه .

ولا شك في أن النهي القرآني عن الخمر هنا أشد من النهي الموجود في سورة البقرة، حيث تحدثت الآية السابقة عن منافع الخمر وأضراره، وهنا توضح الآية الكريمة أن صلاة السكارى غير مقبولة وغير منطقية، وبذلك لا يستقيم أمر مسلم على شرب الخمر وعلى الصلاة، ولا بد أن يتوب عن رذيلة شرب الخمر .

ثم نزلت بعد ذلك بمدة لا يعلمها إلا الله الآيات التي تحرم الخمر تحريما قاطعاً وتحذر منه تحذيراً شديداً، حيث يقول الحق سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون .

فالاستفهام في قوله تعالى: فهل أنتم منتهون لإنكار استمرارهم على الخمر والميسر، بعد أن بين لهم مضارها الدنيوية والدينية ولحضهم على ترك تعاطيها فوراً .

ثم أكد سبحانه وجوب هذا الانتهاء عندما أعقب هذه الآيات بقوله: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين .

والمعنى: اجتنبوا أيها المؤمنون اجتنابا تاما شرب الخمر وتعاطي الميسر، وأطيعوا خالقكم عز وجل فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا رسولكم محمداً صلى الله عليه وسلم، واحذروا مخالفتهما، لأن مخالفة أوامرهما أو نواهيهما تؤدي بكم إلى الندامة والخسران، فإن أعرضتم عن طاعتهما فقد وقعتم في الخطيئة، وستعاقبون على ذلك عقاباً أليماً، واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سوى التبليغ الواضح عن خالقه عز وجل . . أما الحساب والجزاء، والثواب والعقاب فمن الله تعالى وحده .

أحكام شرعية

وقد أخذ العلماء من الآيات السابقة التي تحدثت عن الخمر عددا من الأحكام والشرعية أبرزها:

- اتفق الفقهاء على أن الحد لا يقام إلا على المكلف، وأن الذي يوجب الحد هو شربها من دون إكراه وأن الحد يثبت بالإقرار وبشهادة رجلين بالغين عاقلين عدلين، وأنه لا تقبل شهادة النساء وحدهن، ولا مع الرجال .

- واتفقوا على أن السكران هو الذي ينطق بالكلام الساقط، ويستوي عنده الحسن والقبيح، ويتصرف تصرفا سيئا في سلوكه وأفعاله . . وقال الإمام أبو حنيفة: السكران هو الذي لا يعرف منطقاً لا قليلاً ولا كثيراً، ولا يفرق بين الأرض والسماء ولا يعرف الرجل من المرأة .

اختلف الفقهاء في عقوبة شارب الخمر، فقال معظمهم: إن من ثبت عليه شرب الخمر من البالغين العقلاء يجلده ولي الأمر ثمانين جلدة على سبيل الحد الشرعي، هكذا فعل عمر رضي الله عنه مع شارب الخمر ووافق الصحابة على ذلك .

وقال بعض الفقهاء: إن من ثبت عليه شرب الخمر من البالغين العقلاء يجلده الحاكم أربعين جلدة، لأن هذه العقوبة هي الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي أنه كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وقالوا: ويكفي هذا الحد ولو تكرر منه الشرب، ويرى هؤلاء الفقهاء أن ما فعله عمر كان من باب التعزير، حيث رأى أن الخمر قد فشت في بعض الجهات فشدد العقوبة لردع الشاربين، فالزيادة ليست من الحد، وإنما هي تعزير للإمام أن يفعله .

- اختلف الفقهاء أيضاً في آلة الضرب التي تستعمل في تأديب شارب الخمر، فبعضهم قال: إنهم كانوا يضربون شارب الخمر في العهد النبوي بالجريد والنعال والأيدي، وعلى هذا لا يصح الخروج عن هذه الآلات، وجمهور الفقهاء على أن ضرب شارب الخمر يصح بهذه الآلات كما يصح بالسوط .

- تحدث الفقهاء عن التداوي بالخمر فأفتى أكثرهم بأن التداوي بالخمر لا يجوز، ومنهم من أجاز ذلك في حالة الضرورة .

وهكذا يتضح لنا كما يقول د . داود الباز الأستاذ بكلية الشريعة بالأزهر إن موقف القرآن من الخمر يستهدف صيانة العقيدة الإسلامية وحمايتها من كل ما يتنافى مع طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث وصفها بأنها رجس من عمل الشيطان، كما يستهدف القرآن بتحريم أم الخبائث حماية العلاقات الاجتماعية بين المسلمين من التباغض والتخاصم والتباعد عن مكارم الأخلاق وتثبيت الأخوة الدينية السليمة فيما بينهم حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً .

ويستهدف القرآن أيضاً حماية أموال المسلمين من أن تهدر في الحرام، وأن تنفق في الخبائث والمنكرات، وإنما عليهم أن ينفقوها فيما يعود عليهم بالخير والرخاء والتقدم والقوة، وأن يجعلوا جانبا منها لمعاونة المحتاجين من الفقراء والمساكين وغيرهم من أصحاب الحاجات .