يظهر في آخر الزمان مدعياً الربوبية، ويجري الله على يديه من العجائب والخوارق ما تعظم به الفتنة على البشر، ويُحدث خروجه اهتزازاً وتشكيكاً في العقائد، وينقسم الناس في شأنه بين مصدق ومكذب، إما مصدق مقتنع، أو تابع راغب في حظوه أو خائف من جفوه، وإما مكذب فار بدينه من فتنته، أو مكذب مقاوم لدجله وكذبه .
حذر الأنبياء جميعاً أممهم من الدجال ومن فتنته، وتوسع النبي صلى الله عليه وسلم في بيان خطورته على عقائد الناس وأديانهم، وبيّن للأمة شأنه وفصّل في أمره فوصف شكله وخلْقَه، وبين خوارقه ووجوه دجله، وأوضح أتباعه ومريديه، وأعلم الأمة بمدة لبثه ومكثه في الأرض، وطريقة موته ومن يقتله في تفصيل دقيق شمل حياة الدجال كلها؛ نصحاً للأمة وصيانة لدينها أن يداخله تشكيك أو ريب .
ولما كانت فتنة الدجال تقع بتشكيك الناس في أصل دينهم، وفي ربهم سبحانه وتعالى فقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من فتنته وقرنها بفتنة القبر عند الاستعاذة بالله، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله - ثم ذكر الدجال، فقال: (إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه) (متفق عليه)، وبيّن أنه أعظم وأكبر فتنة تمر على العباد منذ خلق الله آدم عليه السلام، فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال) (مسلم) .
وقد وقع الاختلاف بين العلماء في ترتيب زمن وقوع هذه العلامات إلا أن غير واحد من أهل العلم ذكر أن الدجال هو أول هذه العلامات، قال القرطبي في التذكرة: فإن أول الآيات ظهور الدجال، ودلَّ حديث تميم الداري رضي الله عنه في صحيح مسلم أن خروج الدجال عند حلول زمنه، ويكون ذلك في آخر الزمان في وقت يتسم بالفتن والحروب، ويتسم أهله بخفة الدين وقلة العلم .
وصف دقيق
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدجال وصفاً خلْقياً دقيقاً فذكر علاماته المميزة، وشبهه للصحابة بمن يعرفون، حتى يكون الناس على بينة من أمره ولا يشتبه عليهم، وجاء في وصفه أنه جسيم أي عظيم الجثة، أحمر البشرة - والعرب تطلق وصف الحمرة على الأبيض - كثيف الشعر أجعد، قال صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال: (رجل جسيم أحمر، جعد الرأس . . أقرب الناس به شبهاً بن قطن رجل من خزاعة) متفق عليه .
وجاء في وصفه أنه أعور العين اليمنى، وأن عينه اليمنى ناتئة، كالعنبة الطافية على وجه الماء، فعن ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية) (البخاري)، أما عينه اليسرى فورد في المسند عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدجال ممسوح العين اليسرى عليها ظفرة مكتوب بين عينيه كافر) والظفرة لحمة تنبت عند المآقي، وقيل: جلدة تخرج في العين من الجانب الذي يلي الأنف .
وجاء في وصف الدجال أيضاً أن: (بين عينيه مكتوب كافر يقرأه كل مسلم) (البخاري)، قال الإمام النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته .
إلا مكة والمدينة
لا يدخل الدجال مكة والمدينة، وهما محرمتان عليه، صيانة لهما وتعظيماً لحرمتهما، ودلالة على صحة دين المسلمين، وإظهاراً لعجز الدجال وإبطالا لكفره، ولا يقتصر الأمر على منع دخول الدجال فحسب بل لا يدخل المدينة حتى رعبه، فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، ولها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان) (البخاري)، ويخرج للدجال حين نزوله قرب المدينة رجل من مؤمنيها؛ ليبطل دعواه ويظهر دجله وكذبه، فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي الدجال وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من خيار الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول: الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلّط عليه (البخاري)، أما منافقو أهل المدينة وكفارها فترجف بهم المدينة فيخرجون إليه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق)، (متفق عليه) .
خوارق الدجال
ومن خوارقه وعجائبه ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم من أنه: (يسير معه جبال الخبز، وأنهار الماء) وأنه: (يأتي القوم فيدعوهم فيكذبونه ويردون عليه قوله، فينصرف عنهم فتتبعه أموالهم، ويصبحون ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له ويصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم ماشيتهم كأطول ما كانت ذُرَاً (جمع ذروة وهي أعالي الأسنمة) وأمده خواصر، وأدره ضروعاً، ثم يأتي الخرِبة (الأرض الخربة) فيقول لها: أخرجي كنوزك (مدفونك من المعادن) فينصرف منها فيتبعه كيعاسيب النحل (أي كما يتبع النحل اليعسوب)، وهو أمير النحل، ثم يدعو رجلاً شاباً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين (قطعتين)، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك) (مسلم) .
من تخفيف الله على عباده أن الدجال لا يبقى إلا مدة يسيرة، وقد سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن مدة لبث الدجال، فقال: (أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم . قلنا: يا رسول الله أرأيت اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، ولكن أقدروا له . قلنا: يا رسول الله فما سرعته في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح) (مسلم) .
تكون نهاية الدجال وهلاكه على يد عيسى عليه السلام، فيسلطه الله على الدجال فيطارده حتى يدركه في باب لد (جبل ببلاد الشام)، فيقتله هناك، ويخلّص الناس من شره، وبعد هلاك الدجال وما يعقبه من هلاك يأجوج ومأجوج يشيع الأمن في الأرض، ويعيش الناس في رخاء من العيش، وسلامة من الفتن .