الدعاء من الأعمال الروحية المحببة إلى النفوس التي يؤديها الإنسان وكله سعادة وشوق إلى استجابة الخالق عز وجل بعد رضاه وعفوه، فالدعاء هو ملاذ كل مكروب، وأمل كل خائف، وراحة كل مضطرب، به يلجأ الإنسان إلى خالقه في كل وقت لا سيما عندما تشتد الكروب وتنقطع الأسباب، وتعجز الحيل، فيشعر الإنسان بالراحة النفسية والطمأنينة القلبية .

وقد أمر الله عباده بأن يدعوه تضرعاً وخفية، ووعدهم بإجابة الدعاء وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . . وقال: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون .

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: الدعاء هو العبادة، أي هو جوهرها ولبها، لأنه اعتراف كامل من الداعي لربه بأنه هو القادر على تحقيق سؤاله، وإقرار منه بعجزه أمام الأحداث، وأنه محتاج إلى عون الخالق ورعايته ليعطيه ما عجزت عنه قوى البشر، وفي ذلك أعلى مظاهر الخضوع والعبودية لله الواحد القهار .

وقد عرف العلماء الدعاء بأنه: الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال، والرغبة في ما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب وإدراك المأمول .

والدعاء الذي هو مخ العبادة كما أخبرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم قد تكرر في العديد من سور القرآن الكريم وفي مواطن متعددة، فقد أخبرنا القرآن بأن التضرع إلى الله بخالص الدعاء، كان دأب الصالحين وزادهم الروحي، حيث كانوا يبتهلون إلى الله في العسر واليسر وكلهم سعادة وشوق إلى استجابة الخالق القادر الواهب .

يقول الحق سبحانه لرسوله الكريم: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً .

ويقول عز وجل: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون . فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون .

ففي هذه الآيات كما يقول المفسرون مدح الحق سبحانه عباده الذين يرفعون أكف الضراعة إليه في الصباح والمساء خوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه، وبشرهم بأنه لا يعلم إنسان ما أخفاه لهم من أجر ترتاح إليه نفوسهم وتسر به قلوبهم جزاء لهم على حسن أعمالهم .

ماذا يفعل المسلم؟

لكن . . ما المطلوب من المسلم؟

شيخ الأزهر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي أجاب عن هذا السؤال، وقال: المسلم مطالب بالإكثار من الدعاء والإخلاص فيه حتى يكون محلاً للقبول وذلك استجابة لنداء الحق ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين . ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريب من المحسنين، وقوله سبحانه: وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين .

ففي هاتين الآيتين دعوة قوية من الخالق عز وجل لعباده أن يكثروا من الدعاء، وأن يخلصوا فيه، وأن يلتزموا آدابه وشروطه كي يكون أهلاً للقبول، ومحلاً للإجابة .

وحول فضائل الدعاء وأجر وثواب الحرص عليه في كل الظروف والأحوال، يقول د .طنطاوي: لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن فضل الدعاء يسبق كل فضل، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء، وأرشدنا في حديث آخر إلى أن الإكثار من الدعاء طريق إلى رحمة الله ورضوانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الجنة، وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ولا يرد القضاء إلا الدعاء، فعليكم بالدعاء .

وأمرنا صلى الله عليه وسلم بأن نستعين بالله تعالى في كل أمورنا صغيرها وكبيرها وحقيرها، فقال: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع، وقال صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه .

عماد ودعامة

يقول الدكتور طنطاوي: مما يدل على مزيد فضل الدعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأنه هو العبادة، ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن النعمان بن بشير، رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .

ومعنى كون الدعاء هو العبادة أن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فهو عمادها ودعامتها وركنها وشعيرتها، وذلك لأن الدعاء ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم واستعانة به بإخلاص ويقين كي يدفع المكروه ويمنح الخير ويعين على نوائب الصفاء الروحي والنقاء النفسي، ويكون كذلك مؤدياً إلى أشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد القهار .

ومن فضائل الدعاء أنه لون من ألوان ذكر الله والتقرب إليه، وذكر الله هو طب النفوس ودواؤها، وعافية الأبدان وشفاؤها، به تطمئن القلوب وتنفرج الكروب، وتغسل المعاصي والذنوب، وقد مدح الله تعالى الذاكرين له في كثير من آيات كتابه الخالد، ومن ذلك قوله تعالى: والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، وقوله سبحانه فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون، أي اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة، واشكروا لي ما أسديته إليكم ولا تجحدوا فضلي عليكم .

والذي يطالع السنة النبوية المشرفة يجد كثيراً من الأحاديث في فضل الذكر والذاكرين . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .

وللدعاء كما قال العلماء آداب ينبغي على كل داعٍ أن يحرص عليها حتى ينال الأجر والثواب ويتقبل الله دعاءه، ومن بين هذه الآداب استقبال القبلة وقت الدعاء، وتجنب الظلم والعدوان في الدعاء على الآخرين، وأن يستحضر الداعي خالقه أمامه وهو يدعوه، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ادعو الله وأنتم موقفون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ . وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن ندعو على أنفسنا أو على غيرنا إلا عند الإحساس بالظلم، فقال: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لئلا توافق على الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم .

ويبين لنا صلى الله عليه وسلم أن الدعاء مأجور صاحبه في جميع أحواله إلا إذا دعا بما يبغضه الله فقال: ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا أتاه إياها أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذا نكثر يا رسول الله، قال: الله أكثر أي أكثر إجابة من دعائكم .

ليس تخديراً

الدكتور يسري عبدالمحسن، أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة، يؤكد أن الابتهال إلى الله والثقة في عفوه واستجابته مصدر الراحة النفسية للإنسان، لذلك نجد المتدينين الحريصين على أداء الفرائض وما يتخللها من أدعية وذكر لله عز وجل هم أكثر استقراراً نفسياً .

ويضيف: لا شك أن شعور الإنسان بأن هناك قوة كبرى تراقب سلوكه وتكافئه على ما يفعل من فضائل وما يحرص عليه من فرائض يجعله مطمئناً إلى أن لكل عمل طيب مكافأة من هذه القوة، ولذلك يحرص الإنسان على أن يفعل ما هو مكلف إياه من هذه القوة ويحرص على أن يتقرب إليها دائما بالعمل الصالح المفيد أولاً، ثم بطلب الأجر والثواب ثانياً .

ويرفض الدكتور يسري اعتقاد بعض المستهترين بأن الدعاء مجرد دروشة وتخدير نفس ويقول: هؤلاء لم يتسرب الإيمان بعد إلى قلوبهم، وما زالوا في لهو وعبث، وعندما يتذوقون حلاوة الإيمان سيلتزمون بكل الفرائض والتكاليف الشرعية ويبتهلون إلى الله صباح مساء أن يعفو عنهم وأن يغفر لهم .

فهيا بنا إلى ساحة الله الواسعة نفعل الطاعات ونؤدي الواجبات، وندعو الله أن يغفر لنا ويعفو عن سيئاتنا ويجزل لنا الأجر والثواب .