قيلت في الدعاء أقوال كثيرة تعرفه وتبين فضائله فقد قيل: هو الرغبة إلى الله عز وجل وإظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول، والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل، وإضافة الجود والكرم إليه وقيل هو استدعاء العبد من ربه عز وجل العنايةَ، واستمدادُه إياه المعونة يطلب ما ينفعه ويستعطف لدفع ما يضره وقيل: هو الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، والنجاة من المرهوب .

والدعاء هو عبادة الافتقار إلى الله، وهو من أفضل العبادات، وهو سنة الأنبياء والمرسلين، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أنبيائه بأوصاف ثلاثة: المسارعة في الخيرات، ودعاؤه رغبة ورهبة، والخشوع له، فقال تعالى: إِنهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ في الْخَيْراتِ، وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً، وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ (الأنبياء: 90)، والدعاء هو دأب الأولياء والصالحين .

معاني الدعاء

وقد حث القرآن عليه وأمر به، فقال تعالى: وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ (النساء: 32)، وقال: وَقَالَ رَبكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60)، ووردت كلمة الدعاء في القرآن الكريم على أكثر من معنى، وقد جاء بمعنى العبادة، ومنه قوله تعالى قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا (الأنعام: 71)، وقوله: ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك (يونس: 106)، وقوله: فلا تدع مع الله إلهاً آخر (الشعراء: 213)، وقوله: والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر (الفرقان: 68)، وقوله: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم (الفرقان: 77) .

وقد جاء بمعنى القول: ومن ذلك قوله تعالى: فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (الأعراف: 5)، وقوله: فما زالت تلك دعواهم (الأنبياء: 15)، وقوله: دعواهم فيها سبحانك اللهم (يونس: 10) .

وقد جاء بمعنى النداء: ومن ذلك قوله تعالى: فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (القمر: 10)، وقوله: يوم يدعو الداع إلى شيء نكر (القمر: 6)، وقوله: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده (الإسراء: 52)، وقوله: ولا تسمع الصم الدعاء (الروم: 52)، وقوله: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ (فاطر: 14) .

وقد ورد بمعنى الثناء: ومنه قوله عز وجل: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن (الإسراء: 110) .

وبمعنى الاستغاثة: ومن ذلك قوله سبحانه: ادعوا شهداءكم من ون الله (البقرة: 23)، وقوله: وادعوا من استطعتم من دون الله (يونس: 38) .

وجاء في موضع السؤال بمعنى الاستفهام والاستعلام: ومن ذلك قوله تعالى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (البقرة: 68)، يعني: اسأله، ومن ذلك قوله عز وجل: ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم (الكهف: 52) .

وفي موضع السؤال بمعنى الطلب: قال تعالى: ادعوني استجب لكم (غافر: 60)، ومن ذلك قوله: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز (الأعراف: 134)، وقوله: يا أيها الساحر ادع لنا ربك (الزخرف: 49)، وقوله جل شأنه: وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب (غافر: 49)، يعني اسألوه، واطلبوا منه .

سلاح المؤمن

وقد صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أن: (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين ونور السماوات والأرض)، وهو مخ العبادة، بل هو العبادة، فعن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، ثم قرأ: وَقَالَ رَبكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . . .، وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء)، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يسألِ اللهَ يغضبْ عليه) .

والدعاء كله خير، فعن أبي سعيد رفعه: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)، وفي الترمذي عن عُبادة بن الصامت رضي اللّه تعالى عنه: أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما على وَجْهِ الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللهَ تَعالى بِدَعْوَةٍ إلا آتاهُ اللهُ إياها، أو صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السوءِ مِثْلَها ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ)، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: (اللّه أكثر) .

والدعاء مفتاح أبواب الرحمة، وسبب لرفع البلاء قبل نزوله وبعد نزوله، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فُتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئاً يُعطي أحب إليه من أن يسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)، وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِن اللهَ يَقُولُ أَنَا عِنْدَ ظَن عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي) .

وهو قبل ذلك وبعده طاعة لله وامتثال لأمره عز وجل: قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر:60)، وقال: وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (الأعراف: 29) . فالداعي مطيع لله، مستجيب لأمره . وفيه السلامة من الكبر: قال تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (غافر: 60) .

والدعاء سبب لدفع غضب الله: فمن لم يسألِ الله يغضبْ عليه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يسأل الله يغضبْ عليه) وهو دليل على التوكل على الله: فَسِرُّ التوكل على الله وحقيقتُهُ هو اعتماد القلب على الله وحده وأعظم ما يتجلى التوكل حال الدعاء؛ ذلك أن الداعي حال دعائه مستعين بالله، مفوض أمره إليه وحده .

وبالدعاء تكبر النفس وتشرف، وتعلو الهمة وتتسامى؛ ذلك أن الداعي يأوي إلى ركن شديد، ينزل به حاجاته، ويستعين به في كل أموره، وبهذا يقطع الطمع في ما بين أيدي الخلق، فيتخلص من أسرهم، ويتحرر من رقهم، ويسلم من مِنَّتِهم فيظل موفور الكرامة والدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكياسة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام) .

شروط الإجابة

وحسن الظن بالله تعالى وحضور قلب الداعي، وتدبره معاني ما يقول من شروط إجابة الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه)، وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني)

والأصل في إِجابة الدعاء، التوبةُ ورد المظالم والإِقبال على اللّه تعالى، والافتقار إلى عفوه ومقدرته وعلمه، ومن أول آداب الدعاء الوضوء حتى تقبل على الله تعالى طاهراً متهيئاً لمناجاته ودعائه وأن تستقبل القبلة، فإذا دعوت الله تعالى فلتبدأ بحمده والثناء عليه تبارك وتعالى، ثم بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ابدأ بعد ذلك في دعائك ومسألتك، واختر أحسن الألفاظ وأنبلها وأجمعها للمعاني وأبينها، ولا أحسن مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، فإن الأدعية القرآنية والأدعية النبوية أولى ما يدعى به بعد تفهمها وتدبرها؛ لأنها أكثر بركة، ولأنها جامعة للخير كله، في أشرف الألفاظ وأفضل العبارات وألطفها، ولأن الغلط يعرض كثيراً في الأدعية التي يختارها الناس، لاختلاف معارفهم، وتباين مذاهبهم في الاعتقاد والانتحال .