قال: هموم لزمتني وديون أثقلتني يا رسول الله.
فقال: ألا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك وقضى دينك؟
قال: بلى يا رسول الله.
قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
قال أبو إمامة: فعلت ذلك.. فأذهب الله همي وقضى ديني.
هكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلجأ دائما إلى الله عز وجل، نطلب منه العفو والمغفرة، ورفع ما بنا من ضر، فهو وحده القادر على تحقيق آمالنا وطموحاتنا، وهو الذي نستعين به على تخليصنا من همومنا وأحزاننا، فالمسلم الحق هو الذي يلجأ إلى خالقه بالدعاء الصادق في كل الظروف والأحوال، خاصة عندما تضيق به الدنيا وتتقطع به السبل.
والدعاء الصادق الذي أدبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بآدابه عبادة لا يجوز لمسلم أن يتخلى عنها، فإهمال الدعاء قسوة قلب وضعف ثقة في الخالق، وقد أخبرنا صلوات الله وسلامه عليه في العديد من الأحاديث الصحيحة بأهمية الدعاء وقيمته بالنسبة للمسلم، ومن بين توجيهاته الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء مخ العبادة».. وفي رواية أخرى: «الدعاء هو العبادة» أي هو جوهرها ولبها، لأنه اعتراف كامل من الداعي لربه بأنه هو القادر على تحقيق سؤاله، وإقرار منه بعجزه أمام الأحداث، وأنه محتاج إلى عون الخالق ورعايته ليعطيه ما عجزت عنه قوى البشر، وفي ذلك أعلى مظاهر الخضوع والعبودية لله الواحد القهار.
يعمل ويتوكل
وقد علمنا صلى الله عليه وسلم أن الدعاء وحده لا يكفي لتحقيق الأماني والتطلعات والطموحات، فالإسلام لا يعرف التواكل والسلبية، ويدفع المسلم دائما إلى العمل والإنتاج، ثم ترك النتائج على الله، ولذلك فإن مواجهة مصاعب الحياة بالأدعية وترديد كلمات وليس بأعمال فعلية أمر يرفضه الإسلام ويحذر منه رسول الإنسانية الذي حارب رذيلة التواكل بكثير من الدروس العملية لأصحابه وكثير من التوجيهات الكريمة التي تؤكد أن المسلم يعمل ويتوكل ولا يمكن أن يكون سلبياً متواكلاً.
هذا ما يقوله د. طه حبيشي الأستاذ بجامعة الأزهر مضيفاً: رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين أن الإسلام هو دين الحياة الكريمة، وهو دعوة إلى العمل الصالح الذي يثرى الحياة، ويبعث في ربوعها النماء والازدهار، ويوفر للإنسان كل أسباب الأمن والاستقرار، ويزوده بالقوة التي تمكنه من الوفاء بجميع الحقوق والواجبات في إحسان وإتقان، لذلك كان حثه على العمل والأخذ بالأسباب لتحقيق الطموحات، ثم يأتي الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل ليؤكد أن المسلم موصول دائما بخالقه يطلب مساعدته ويرجو عطاءه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يسأل الله يغضب عليه».
فالدعاء عبادة، والانصراف عنه جحود وقسوة وعصيان وتمرد، وهو لون من ألوان ذكر الله، وذكر الله هو طب النفوس ودواؤها، وعافية الأبدان وشفاؤها، به تطمئن القلوب، وتنفرج الكروب، وتغسل المعاصي والذنوب، والله سبحانه وتعالى يمدح الذاكرين له ويعدهم بالمغفرة والأجر العظيم فيقول في كتابه الحكيم: «والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً». والنبي صلى الله عليه وسلم يربطنا بالعطاء الإلهي في كل الظروف.
وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان الذاكر لخالقه القريب منه بالدعاء يجد كل ما يسره ويسعده، فالله سبحانه وتعالى يقول كما جاء في الحديث القدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
دليل صدق الإيمان
* لكن.. ما الذي نستفيده من هذه الوصية النبوية الكريمة؟
- يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية: رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصينا دائما بالالتجاء إلى الله، نطلب منه العفو والرحمة، ونرجوه أن يزيل همومنا، وأن يخلصنا من أحزاننا، وقد علمنا صلوات الله وسلامه عليه أن الدعاء والابتهال إلى الله دليل صدق الإيمان، وكل إنسان لا يرفع يديه إلى السماء ويقول «يا رب» هو إنسان قاسي القلب، ليس لديه رحمة وليس بداخله ضمير حي، فالدعاء يزيل عن نفس المسلم صدأها ويغسلها من أدرانها، ويعيدها إلى صفائها ونقائها.
وقد بين لنا صلى الله عليه أن فضل الدعاء يسبق كل فضل فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء»، وأرشدنا في حديث آخر إلى أن الإكثار من الدعاء طريق إلى رحمة الله ورضوانه.. فقال: «من فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الجنة، وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ولا يرد القضاء إلا الدعاء، فعليكم بالدعاء».
وأمرنا صلى الله عليه وسلم أن نستعين بالله تعالى في كل أمورنا صغيرها وكبيرها وحقيرها، فقال: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع».
لذلك فإن كل إنسان مطالب بأن يكثر من ذكر الله في كل الأحوال وأن يتضرع إليه في أوقات اليسر وفي المحن والشدائد، والذين يلجأون إلى الله في أوقات الشدة فقط مخطئون، فعلى الإنسان أن يكون قريباً من خالقه في كل الظروف والأحوال.
والدعاء كما يشير الشيخ عاشور يحقق للإنسان راحة نفسية حتى ولو لم تتحقق أمنياته ولا يجد استجابة لدعواته، لأنه بدعائه يشكو همومه ومتاعبه لخالقه، فكأن هناك حواراً بين الإنسان وخالقه في لحظات الدعاء، ولذلك يرى بعض أطباء النفس أن مجرد الدعاء يحقق للإنسان راحة نفسية.
ملاذ المكروبين
وإذا كان الدعاء في الظروف الطبيعية مطلوباً ومحبباً إلى النفس طمعاً في عفو الله وغفرانه وطمعاً في المزيد من الرخاء والنعيم والبركات في الدنيا والآخرة، فإنه في أوقات الشدة والظروف الصعبة أكثر حاجة وإلحاحا للمسلم، فهو ملاذ لكل مكروب وأمل كل خائف، وراحة لكل مضطرب، به يجأر الإنسان إلى خالقه عندما تشتد الكروب وتنقطع الأسباب وتعجز الحيل، فيشعر الإنسان في هذه الظروف بالراحة النفسية والطمأنينة القلبية.
لقد أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء ليس محل اختيار من الإنسان، فالمسلم مطالب بالأمر الإلهي بأن يدعو ربه، وأن يخلص في دعائه حتى يكون محلا للقبول، فالقرآن الكريم يقول: «ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين. ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين»، كما يقول القرآن: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»، ويقول: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون». فهذه الآيات الكريمة تحمل دعوات من الله تعالى لعباده أن يكثروا من الدعاء وأن يخلصوا فيه، وأن يلتزموا بالآداب والأخلاقيات التي تجعل دعواتهم محلا للقبول والإجابة من الخالق القادر الواهب.. لذلك كان اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الدعاء وحثه للمسلم على أن يتسلح بهذه الوسيلة للتواصل مع خالقه عز وجل.
شروط قبول الدعاء
وقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى بعض مواصفات الدعاء الذي يقبله الله عز وجل ، ومن بين ما أرشدنا إليه ضرورة أن يكون طعامنا وشرابنا من حلال، وقد جاء في الحديث الصحيح أن أكل الحرام يمنع استجابة الدعاء، حيث ذكر صلى الله عليه وسلم «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب.. يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، فأنى يستجاب له»، كما جاء في الحديث «نصح الرسول سعد أن يطيب مطعمه ليستجاب دعاؤه».
وقد قال العلماء: إن من شروط قبول الدعاء، حضور الذهن والقلب عند الدعاء، فلا يكتفي الإنسان بمجرد تحريك اللسان بالدعاء، وذهنه منصرف عن الله، ولا يكفي حضور الذهن مع خمود العاطفة، بل لا بد من الرغبة في الإجابة والرهبة من عدمها واستحضار عظمة الله سبحانه.