كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ العرب وأفصح قريش، تنثال المعاني الرفيعة من فمه الكريم انثيال السيل، لا يدانيه في ذلك قائل، ولا يباريه خطيب وهو هكذا في كل حالاته، سواء أقال كلاماً مرسلاً أم اعتلى منبراً للخطابة، أم حاور محدثيه .

ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم العديد من الخطب التي تدعو إلى الله الواحد الأحد الفرد الصمد، ولقد اتسمت هذه الخطب بالقصر واختصت بالعمق والتركيز، وتميزت بالتدرج في مضامينها، وكانت أولى هذه الخطب يوم أن نزل عليه قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين (سورة الشعراء الآية 214) .

ويقول محمد خليل الخطيب في كتابه خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادى: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً . قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . قال أبو لهب: تباً لك يا محمد ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تبت يدا أبي لهب وتب . (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي) . وفي رواية: (وقد تب) .

وعن الزبير بن العوام قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس: يا آل عبد مناف إني نذير لكم فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم . قالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك وأن سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيى الموتى . فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال . ويفجر لنا أنهاراً فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيى لنا موتانا، وإلا فادع الله أن يصير هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك زعمت أنك كهيئتهم، فبينما نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سري عنه قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن مؤمنكم وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه معذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فنزلت: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون حتى قرأ ثلاث آيات، ونزلت: ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى (رواه أبو يعلي) .

الخطاب المباشر

وذكر الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه البيان المحمدي أن أول خطبة دعا فيها الرسول صلى الله عليه إلى الله قال فيها: يا معشر قريش: اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً (رواه البخاري، ومسلم) .

ولأن هذه الخطبة هي أول خطبه صلى الله عليه وسلم فقد عمد فيها إلى الخطاب المباشر موجهاً إياه إلى عشيرته الأقربين من قريش، بادئاً بالأعم ومنتهياً بالأخص، وبالبعيد من العشيرة، وينتهي بالقريب، إنه صلى الله عليه وسلم يبدأ بقريش على عمومها، ثم بعمه العباس، وعمته صفية، وينتهي بفاطمة صغرى بناته، وأقربهن إلى قلبه، وأشبههن به خلقاً وخلقا، يحذرهم جميعاً بأبلغ عبارة، مردداً ذلك التحذير البليغ لا أغني عنك من الله شيئاً إنها دعوة الإيمان بالله التي تنجي من عذاب الآخرة وعقابها، وتحض على صلاح الدنيا وعمرانها .

توسيع دائرة النداء

وتستمر استجابته صلى الله عليه وسلم للأمر الإلهي وأنذر عشيرتك الأقربين فيوسع دائرة النداء من إنذار أقرب الأقربين إلى الأقربين من بطون قريش، وإذا كان النداء في الخطبة السابقة قد بدأ بالأقرب وهم قريش، ثم بالأشد قرباً وهما العم والعمة، ثم بالألصق به صلى الله عليه وسلم وهي فاطمة، فإن النداء هذه المرة يبدأ بالأقرب من العشيرة، ثم بالقريب البعيد، ثم بالقريب الأكثر بعداً، وهم على الترتيب بنو عبد المطلب ثم بنو فهر، ثم بنو كعب، وقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرة جبل الصفا ثم نادى وأشار ابن كثير في كتاب البداية والنهاية إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: يا صباحاه: فاجتمع الناس عليه، فقال: يا بني عبدالمطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم . أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .

لقد كانت قريش تثق بصدقه صلى الله عليه وسلم وأمانته حتى إنها لقبته بالأمين، ولهذا جعل الرسول مدخله في توجيه الإنذار إليهم من هذا الباب المأمون، فلما أجابوا بنعم، قال على الفور: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . ولأول مرة يذكر التحذير مقروناً بالعذاب، وكان قبل ذلك في الخطبة السابقة مجرد تحذير لأهله الأقربين بأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً .

إن المرء ليحس وهو يستمع إلى خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى هذه الخطبة على وجه الخصوص بسهولة الأسلوب وطهره ونقائه، ووضاءته وبهائه، وجماله وعذوبته، وفيضه وتدفقه، وانسرابه إلى مواقع القبول من قلوب المؤمنين انسراباً جميلاً، ذلك لأنها خطبة توجه عشيرته وقومه وجميع الناس إلى ضرورة الإيمان بالله ورسوله، من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار والخروج من الظلمات إلى نور الإيمان .