ساد مفهوم لدى الكثيرين منذ زمن بأن المشتغل في الدنيا ليس من أهل الآخرة والعكس صحيح أيضاً، بيد أن الواقع المستنبط من مجموع الآيات والأحاديث ومواقف رجال السلف الصالح غير هذا تماماً، فالدنيا ليست ملعونة بحيث نزهد فيها ونهملها، كما أن الإنسان ليس مطروداً إليها وغريباً عنها ومعاقباً فيها، وإنما هي سبيل إلى الآخرة يؤدي إليها لا محالة ويتصل بها، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك (القصص: 77)

ليست الدنيا ضداً للآخرة، بل هما متكاملتان وبهذه الرؤية نفهم كثيراً من الأعمال الدنيوية التي ارتقت إلى مستوى العبادات، من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: عدل ساعة خير من عبادة عشر سنين، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، وهو في المسجد صباح مساء، فقال مستغرباً: من يعوله؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه. ورأى رجلاً تشققت يده من العمل فشد عليها مباركاً وهو يقول: هذه يد يحبها الله ورسوله، ويقول: من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له، ومر رجل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد لاحظوا جَلَدَه ونشاطه في الكسب وطلب الرزق، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فأجاب بقوله: إن كان يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.

.. كأنك تعيش أبدا

ويصل الإسلام إلى أعلى غاية في هذا الصدد حيث جعل نصرة المظلوم في الدنيا عبادة، وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب عبادة، وبناء المدارس والمستشفيات عبادة، واستنبات الأرض وزراعتها عبادة، وإماطة الأذى عن الطريق عبادة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق صدقة، وأن تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، كل هذا عبادة، بل كل ذلك في سبيل الخير العام للمجتمع وللناس.

فإذا ترك الإنسان الدنيا، واتخذ لنفسه مفاهيم وقيماً اصطنعها، فليس ذلك ما أراده الله تعالى له، إذ جعله الله خليفته في الأرض يعمرها بالخير ويمدها بالمعروف، وبهذا جاء الأنبياء كلهم، من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (النحل: 97)

صحيح أن الدنيا دار سفر، ولكن لا مانع من أن تجعلها مريحة اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

لم يمانع الدين أن تضرب في مناكب الأرض طلباً للرزق، افعل ما تهفو إليه نفسك من مأكل ومشرب وملبس، ولا حرج عليك ما دام ذلك في غير عدوان ولا سرف ولا ظلم. قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة (الأعراف: 32)

لقد أفاد المسلمون من اتصال دنياهم بآخرتهم أكبر النفع، وازدادوا حباً لدنياهم من خلال إدراكهم لواجبهم فيها وحرصاً منهم على أن يسودها جمال ونظام واتساق، فالدنيا ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لشيء أكبر منها وأعظم وأخلد، وبهذا الاتصال الدنيوي الأخروي أحبوا المعرفة والنظر في أنفسهم وفي الآفاق وفي الكون، وعليه فسعي الإنسان في الدنيا من أجل رزقه وسعيه من أجل العلم، وزواجه ورعاية أسرته، وحربه وسلمه، وبيعه وتجارته وشراؤه وإيجاراته وما يجمع من مال وما ينفق منه، كل هذا يقاس بمقياس الآخرة، مع أنه يجري في الدنيا، فإذا هو قد اكتسب قيمة لم تكن له، وارتقى درجات عن طبيعته المادية المجردة.

لا دنايا ولا مهاترات

إن اتصال حياة المؤمنين بآخرتهم رفع من شأن حياتهم، وأسبغ عليها من الرفعة والسمو والنظافة والأناقة والنظام والاتساق ما تسبغه المثل العليا على المتمسكين بها والعاملين لها ونفى عنهم العادات السلبية، والآفات الخلقية، وأعفاهم من الدنايا والمهاترات التي يتردى فيها أبناء المجتمع الذي لا يعرف إلا الأعراض الفردية، والدوافع الشخصية والتكالب على المال والتنافس الحاد والعنيف من أجل الجاه والسلطة. أصبحت حياتهم وبما تعلموه من دينهم جميلة حلوة يؤنسها أمل، وتضيئها مثل، ويتوجها هدف، وكذلك استطاع المسلمون وبهدي إيمانهم أن يكونوا علماء حكماء يكشفون حقائق الكون، يؤلفون ويترجمون ويعطون ويأخذون، يقدمون للبشرية حضارة لا أعرق منها ولا أعظم، طابعها إنساني وجوهرها مثالي واقعي، ثم يزودون بالشجاعة فلا يقعدون عن مواجهة المخاطر يخوضون مجاهل البحار والبقاع، ويخضعون أمواج البحار والمحيطات لسفنهم وأساطيلهم ويحسون أن هذا العالم قد سخر لهم حقا، وأنهم مدعوون دوما الى الاتصال به والنظر فيه فأجابوا الدعوة، وغدوا للأمم قادة وروادا، وما زال نهجهم يوحي الى النفوس بالإيمان والسعي الجميل من أجل أعلى المثل وأنبل الغايات.

نعم هناك مسلك اتخذه بعض المسلمين ممن سموا بالزهاد تركوا الدنيا الى حد الإهمال، بيد أن مسلكهم هذا تصرف أفراد لا يعمم، ثم إنهم ليسوا قدوة للناس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. (الأحزاب: 21)

وبعد.. اسع للرزق سعياً حثيثاً، واضرب مناكب الأرض، واعمل بجد فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وحصّل المال الوفير وابنِ لنفسك ما شئت، على أن تجعل ذلك كله في يدك لا في قلبك، وهذا هو الزهد. والله الموفق.