في كل بيت تجد ألبوماً أو أكثر للصور الورقية التي كنا نلتقطها بآلات التصوير البسيطة، ومع اكتشاف الحديثة منها تحولنا إلى الصور الرقمية التي اختصرت علينا الكثير من الوقت والجهد، ورغم امكانية الحصول على أكبر عدد ممكن من الصور عبرها لكنها أفقدتنا عنصر الرومانسية التي كانت تربطنا بالصور القديمة، باعتبارها مادة غير ملموسة، ومن الممكن أن تختفي في أي لحظة لمجرد حدوث خلل في ذاكرة الجهاز الإلكتروني .
رغم التطور الحاصل في عالم التصوير يؤكد الناس أنهم يحنون إلى صورهم الورقية أكثر من الرقمية، وقال أمين رعدون مساعد مهندس في شركة مقاولات في دبي: أحتفظ في ألبومات خاصة بصور عائلتنا التي يعود تاريخ التقاط بعضها إلى أكثر من 90 سنة، بإضافة إلى الصورة الجديدة التي التقطناها قبل ظهور الصور الرقمية بكاميرا الديجيتال التي ضاع معها رونق الصورة الورقية التي كانت تجمعنا تصفحها لقضاء أجمل اللحظات، والحديث عن تاريخ كل صورة والمناسبة التي التقطناها فيها .
وبالنسبة للصورة الرقمية التي يحتفظ بها في جهاز الحاسوب أضاف: رغم وجود مئات الصور الرقمية في جهاز الحاسوب، لكن لا يربطني بها أية مشاعر لأنها غير ملموسة، ويمكن أن تختفي في أية لحظة إن حدث أي خلل في الجهاز، لذلك لا أعيرها اهتماماً .
وتابع: رغم أن أجهزة التصوير الحديثة أثرت سلباً في رومانسية الصور الورقية، لكن توفر أجهزة المسح الضوئي نسخ الكترونية عنها وإرسالها عبر الإنترنت إلى أية بقعة من أصقاع الأرض بسرعة، وبالتالي توفير نسخ الكترونية عن الصورة الورقية إن تم إتلافها لأي سبب كان .
بدوره أشار حلمي الآغا معلم متقاعد في الشارقة إلى أنه ما زال متشوقاً إلى كاميرا التصوير القديمة لالتقاط صور للأهل والأصدقاء والتفنن في اختيار الزاوية المناسبة للحصول على أجمل صورة، ولكن أمنيته هذه أصبحت صعبة لتحول التصوير إلى عالم الديجيتال والتعامل مع العدسات الرقمية والصور الخالية من المشاعر بحسب وصفه .
وعن حميمية الصور الورقية قال: أجمل الأوقات هي التي أقضيها برفقة صوري القديمة التي تصحبني معها في رحلة إلى الماضي للغوص في ذكريات أيام الشباب واستحضار وجوه الأصدقاء الذين غيبني عنهم الزمن ومنهم من فارق الحياة، وأشعر بنفسي في كل مرة أنني قضيت عدة ساعات في تصفحها من دون أن يلفت انتباهي ما يحصل من حولي حتى وإن حدّثني أحد أفراد أسرتي فإنني لا أنتبه إليه .
علي الكتبي موظف في الشارقة قال: يروي لنا الآباء أنهم عندما كانوا بصدد التقاط صورة كانوا يلبسون أفضل ما لديهم ويستعدون لالتقاط الصور، لأنه كان حدثاً مهماً في حياتهم لذا كانت صورهم متميزة وتبدو جميلة أكثر من الصور العفوية التي نلتقطها الآن بكاميرات الديجيتال الحديثة أو الهواتف المحمولة المزودة بكاميرات عالية الدقة .
وفي ما يخص مصير الصور التي يلتقطونها الآن أضاف: لكثرة صوري التي التقطها في السنوات الماضية لجأت إلى حفظها في موقع خاص عبر الانترنت ويمكنني وحدي تصفحها بأية لحظة، لذلك فإنني مطمئن عليها، ولكثرة عددها لا يمكنني تصفحها كلها في جلسة واحدة، لذلك فإنني أتصفحها بسرعة ما يؤثر سلباً في علاقتي بكل واحدة منها إذ لا أجد الوقت الكافي للتمعن بها وبالتالي خفت علاقتي بها على المدى الطويل .
فاروق السيد موظف في محل طباعة وتصوير المستندات في دبي قال: ما زلت أحتفظ بآلة التصوير التي اشتراها والدي منذ أكثر من 20 سنة وأريد أن التقط بهاً صوراً ورقية، وسألت العديد من المتخصصين في التصوير وأصحاب المحال، ولكنهم أكدوا أن أفلام التصوير وأجهزة تحميض وتبييض الصور اختفت وحلّ مكانها الأجهزة الخاصة بتحويل الصور الرقمية عبر كاميرات الديجيتال .
وعن العلاقة التي تربطه بالصور أضاف: رغم وجود عدد كبير من الصور في ذاكرة هاتفي المحمول وجهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي، لكنني لا أشعر بقيمتها لأنها تفتقد إلى الحس الإنساني التي تتميز بها الصور الورقية التي التقطتها في الماضي .
سعدون أحمد موظف في دبي قال: من منا لا يحن إلى الماضي والصور الورقية، ولكن علينا بأن نؤمن أن ظروفنا هي التي تحكمنا وليس نحن من نتحكم بها، لأن عملنا أصبح يعتمد على التكنولوجيا وعلاقتنا بأقاربنا وأصدقائنا عبر تبادل الزيارات أصبحت مرهونة بوسائل الاتصال الحديثة مثل الهواتف المحمولة، لذا من الطبيعي أن يتراجع دور الصورة الورقية ويحل محلها الصورة الرقمية .
وأضاف: الرابط الوحيد مع الصور الورقية هي الصور الشخصية التي نلتقطها في الاستوديو لإرفاقها مع أوراقنا الرسمية، إضافة إلى صور العرسان في حفلات الزواج، والقليل من الناس يذهبون للاستوديو لالتقاط صور تذكارية، ومع الزمن من الممكن أن تختفي الصور الورقية تماماً، كما حدث مع الكثير من الوسائل التي كنا نستخدمها في السابق وأصبحت طي النسيان بعد ظهور البدائل الحديثة .
وأصبحت الصور التي نلتقطها خاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، لأننا نقوم بنشرها عبرها وبعد أيام تصبح قيد النسيان، ولا نعود إليها، لذلك فقدت قيمتها المادية والرمزية في نفوسنا . هذا ما أكده علي أبو رشيد موظف في دبي عندما سألناه عن علاقته بالصور . وقال: ألتقط أكثر من صورة خلال كل أسبوع أنشرها في صفحتي الخاصة في الفيس بوك ليضع عليها الأصدقاء تعليقاً ببعض الكلمات، ثم تختفي بعد أيام، ورغم ذلك لا يخطر لي أن أحتفظ بنسخة منها في جهاز الكبيوتر لأنه بإمكاني أن ألتقط صوراً أجمل في أية لحظة .
وأضاف: رغم التكنولوجيا والتطور لكننا سوف نصبح على المدى البعيد من دون صور تذكرنا بالماضي والأصدقاء الذين كانت تجمعنا بهم صور لأيام الدراسة والرحلات الترفيهية، ولن يربطنا بأصدقائنا المحادثات الالكترونية التي نجريها مع بعضنا بعضاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتويتر أكبر مثال على ذلك، لأنه يتناول قضايا اللحظة في لحظتها وتصبح طي النسيان بعد وقت قصير .
سارة الحافظ ربة منزل في الشارقة أوضحت أنها تحن لصورها الورقية وتتصفحها كل فترة لتستعيد الذكريات بدءاً من الطفولة ووصولاً لمرحلة الشباب التي افترقت فيها عن أهلها وصديقاتها عندما تزوجت وسافرت مع زوجها إلى أكثر من دولة واستقرت أخيراً في الإمارات .
وعن رأيها بالصور الرقمية أضافت: رغم إمكاناتها في التقاط صورة في أية لحظة عبر الهواتف المحمولة التي يملكها كل واحد منا بدقة عالية لكنها تبقى رهينة تلك الهواتف، ونعد أنفسنا بأننا سوف نقوم بطباعتها لكننا نهملها وتبقى أسيرة هواتفنا، التي ما إن تتعرض لأي عطل تقني يتم حذفها كلها في لحظة لا نتوقعها أبداً فنشعر بالندم .
وبالمقارنة بينها والصور الورقية أكدت أن الأصل يعود إلى الصورة الورقية لأنها التي تبقى معنا إلى الأبد شرط أن نحتفظ بها في مكان آمن .
أما أروى محمود ربة منزل يعجمان فقالت: نتيجة تحولنا إلى زمن التكنولوجيا يجب علينا أن نقبل واقعنا بكل إيجابياته وسلبياته، والصورة الرقمية التي حلت بديلاً للصورة الورقية معادلة منطقية ولا يمكن تغييرها لأننا نمضي إلى الأمام وننتظر من المخترعين ابتكارات جديدة تختصر علينا الوقت والجهد للحصول على الخدمات في وقت أقل .
وفي ما يتعلق بالصور الورقية أضافت: أحتفظ بكم هائل من الصور ويربطني بها علاقة حميمية قوية ولا أشعر بأنني سأتخلى عنها لظهور البديل، ورغم ذلك لا أتوانى عن التقاط صور بهاتفي المحمول في أي مكان وحفظها في قرص خاص أو إرسالها لنفسي عبر الإيميل .
جمال بصراوي مصور في دبي قال: يتحول العالم كله من الأرشيف الورقي إلى الالكتروني لسهولة حفظه، وبالنسبة إلينا كمصورين فإننا نحتفظ بالصور التي نلتقطها لزبائننا في ذاكرات رقمية وفق جداول يمكننا عبرها استحضار أية صورة ولو بعد سنوات وإعادة طباعتها، لذا فإنني أعتبر التكنولوجيا قد سارت بنا نحو الراحة في التعامل مع مفردات عملنا من دون أن نلجأ إلى المكتبات والرفوف التي كنا نحتفظ بها على الصور .
وبالنسبة إلى أفلام الصور القديمة التي تم التقاطها بالكاميرات العادية وإمكانية إعادة طباعتها للزبائن عند الحاجة أضاف: تم تحويلها الكترونياً إلى أجهزة الكمبيوتر وجدولتها وفق تسلسل زمني بالتواريخ والأرقام، ويمكن إعادة طباعتها عند الطلب، وإلى الآن يأتي إلينا بعض الزبائن لإعادة طباعة بعض الصور منها ونقوم على الفور بتلبية طلبه .
وعن العلاقة الحميمية بين الناس وصورهم الرقمية تابع: بالنسبة لي أحتفظ بعدد من الصور الورقية وعلقتها على جدران منزلي، ولا يمكنني أن أحذفها من حياتي، شأني في ذلك شأن كل الناس الذين يحنون إلى صورهم الورقية ويمعنون النظر فيها لإعادة اللحظات الجميلة التي قضوها في الماضي .
من جانبه أوضح سعيد الشامسي مدير عام دار ابن الهيثم للفنون البصرية إنه سابقاً كان يتم التصوير إما عبر الأفلام العادية السالبة من خلال تحميضها وطباعتها كي تتحول إلى ايجابية يمكن رؤيتها بألوانها الحقيقية، أو عبر الشرائح الموجبة، ولم يكن يعنيهم الوقت كثيراً، لذلك عندما كانوا يصورون ويحمّضون الصور لا ينتبهون للوقت الطويل الذي كانت تستغرقه تلك العملية، مثل إعدادات الكاميرا واختيار الزاوية المناسبة، إضافة إلى أنها كانت تتطلب من يقوم بالتصوير الإلمام بالتعامل مع مفردات التصوير تلك، كي لا يخسر الصور التي التقطها عبر تصويرها ومراقبتها أثناء التحويل وهي أشبه بجنين يتحول إلى طفل عندما كانت تحصل على ملامح بسيطة ثم تتحول إلى صورة واضحة، وحالياً يمكن التقاط 1000 صورة وانتقاء اثنتين من بينها فقط .
ومن المآخذ على التصوير بالطريقة القديمة قال الشامسي: مع التحول إلى التصوير بالكاميرات الحديثة أصبحت العملية أسهل بكثير، ورغم ذلك نجد أن الذين كانوا يصورون قديماً يحرصون على التقاط صورة مناسبة بأقل عدد من اللقطات، أما المصورون الجدد الذين يلتقطون عدداً أكبر من اللقطات من أجل الحصول على صورة مناسبة .
واختتم الشامسي حديثه قائلاً: التصوير بالطريقة القديمة اختفى من عالمنا ولو عادت فإنني ضدها لأنها كانت تتطلب مواد كيماوية لتحميض وطباعة الصور ومخلفاتها كانت تشكل خطراً على حياة الناس، ورغم ذلك فإنني ما زلت أحتفظ بصوري القديمة وحوّلت القسم الأكبر منها إلى صور رقمية .
وأخيراً أوضح أشرف العريان اختصاصي اجتماعي أن المادة التي يمكن لمسها باليد تكون قريبة من قلوبنا أكثر، ولها تأثير نفسي فينا بشكل أكبر، ويكون وقعها أقرب إلينا من التي لا يمكن التفاعل معها بكل حواسنا، وقال: التكنولوجيا بشكل عام قلصت الطابع الإنساني فينا وجعلتنا أقل تواصلاً مع انفعالاتنا، ومن عيوبها التعامل مع جهاز أو شخص غير مرئي وإن كان مرئياً لا يكون ظاهرياً فقط عبر الشاشة التي نتعامل معها في تواصلنا مع الطرف الآخر .
واختتم العريان حديثه قائلاً: بالنسبة للصور القديمة نرى فيها لمسة تعود بنا إلى الماضي وتذكرنا باللحظات الجميلة التي مررنا بها، لذلك لها حميمية أكبر من الصور الرقمية .