هذه الفرية يرددها التكفيريون في أكثر من بلد إسلامي وهم يتخذونها مبرراً لمقاومة الأنظمة التي لا تروق لهم، أما عندما يروق لهم نظام الحكم ويحقق لهم أهدافهم فتصبح الديمقراطية إرادة الشعب وحكم الصندوق الذي يعد الخروج عليه جريمة تستوجب إعلان الحرب على المجتمع كله .
ما يهمنا هنا هو مناقشة أكاذيب التكفيريين التي تعتبر "الديمقراطية كفراً"، وتحرم تطبيق نظم حكم اعتمدها غير المسلمين، وتنظر إلى الديمقراطية على أنها "حكم شعب لا ينبغي أن يكون بديلاً لحكم الله" .
دار الإفتاء المصرية رصدت شيوع هذه الأكذوبة من خلال "مرصد فكر وفتاوى التكفير"، حيث وجدت فتاوى متعددة عن تحريم وتجريم النظام الديمقراطي باعتباره من أنظمة غير المسلمين التي لا يجوز تطبيقها لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم في عالمنا الإسلامي، وأكد مفتي مصر د . شوقي علام في رده على هؤلاء الجهلاء أن جوهر الديمقراطية يجسد مبادئ الإسلام السياسية في اختيار الحاكم، وإقرار الشورى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الجور؛ فهي من صميم الإسلام وليست كفرا أو منكرا كما يدعي البعض، حيث سبق الإسلام الديمقراطية في تقرير القواعد التي يقوم عليها جوهر الديمقراطية .
وقال د .علام في تفنيده لمزاعم التكفيريين أنه لا يلزم من الدعوة إلى الديمقراطية اعتبار اختيار الشعب لحكامه بديلاً عن حكم الله؛ إذ لا تناقض بينهما .
اقتباس مباح
وأكد أن الدين الإسلامي لا يمنع اقتباس فكرة، أو نظرية، أو حل عملي من غير المسلمين؛ فقد اقتبس رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرة الخندق من الفرس، كما اقتبس ختم كتبه من الملوك، واقتبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظام الدواوين ونظام الخراج وطبقه، انطلاقاً من قاعدة: (الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها) .
وأشار مفتي مصر إلى أن الأنظمة المتعددة تختلف في ترتيب الحقوق السياسية وكيفية تطبيقها، والذي يعنى الإسلام به هو تحقيق المعنى والمضمون وترك آليات التنظيم وأدوات التطبيق لما يوافق كل عصر، مضيفاً: إن الديمقراطية التي يقرها الإسلام ويدعو إليها هي ديمقراطية لا تجعل ثوابت الأمة وهويتها من عقائد وأعراف محلا للإلغاء أو النقاش، حيث يعتبرها المجتمع المسلم خطوطا حمراء وإطارا للعمل الديمقراطي لا يجوز تخطيه .
وأوضح د . علام أن الديمقراطية إذا كانت لا تتعدى على حقوق الشعوب في المحافظة على هوياتها وعقائدها، ولا تجعل ثوابت الأمة محلا للتبديل والتغيير فهي الديمقراطية التي تخدم الإسلام وتحقق أهدافه .
وشدد على أن الإسلام منهج واضح يمكن تطبيقه في كل عصر؛ حيث تمكن المسلمون الأوائل من تطبيقه في العصور الأولى للإسلام مع بساطة المجتمعات وقلة وظائف الدولة، كما تمكن المسلمون من تطبيقه مع تعقد المجتمعات وزيادة وظائف الدولة .
احترام حقوق الإنسان
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة حلوان عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر د . محمد الشحات الجندي يؤكد أن الإسلام نظم علاقة الحاكم بالمحكوم تنظيماً جيداً وكفل كل الحريات واحترم حقوق الإنسان، ورغباته المشروعة، واختياراته ما دامت تتم عن قناعة ورضا وبعد دراسة متأنية لكل ما يحيط به .
ويضيف: هذا ما حرص الإسلام على تحقيقه لكل أتباعه ولكل من يعيش على أرضه، فقد كفل الإسلام كل حقوق الإنسان، وأعطاه حق الاختيار حتى في أخص أمور العقيدة والعبادة، فالإنسان لا سلطان عليه في اختيار العقيدة التي يؤمن بها، ولا سلطان عليه فيما يفعله من خير أو شر سوى ضميره .
ويؤكد د . الجندي انحياز الإسلام للنظام الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر المباشر، باعتباره الصيغةَ العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات، ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدولة بالقانون والقانون وحده وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها .
ويشير عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر إلى موقف الأزهر الحضاري الذي قوبل باستحسان ورضا السياسيين وعلماء الشريعة على السواء داخل مصر وخارجها فقد تضمنت (وثيقة الأزهر) التي صدرت من شهور بشأن التطورات والأحداث التي شهدتها مصر وضعها وراجعها وأقرها نخبة من علماء الشريعة كل ما يؤكد احترام الإسلام للحريات ومنها النظام الديمقراطي، وطالبت بالالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية في المجتمع .
والذي يساعد على تحقيق الحريات السياسية على أرض الواقع هو الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبث الفرقة والتنابذ والعداء بين أبناء المجتمع، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة في حق الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أي تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين .
جوهر الديمقراطية
ويضيف د . الجندي: إن الديمقراطية التي تتطلع إليها شعوب العالم، وينادي بها السياسيون والمصلحون ليست مرفوضة في المنظور الإسلامي كما يعتقد أو يتوهم بعض التكفيريين، ولا يوجد عاقل يدرك حقائق الإسلام ومقاصد شريعته إلا ويؤمن بذلك، فالديمقراطية في جوهرها تعني أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يهدر حقوقهم، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله وتغييره إذا انحرف، وألا يساق الناس رغم أنوفهم، إلى سياسات أو اتجاهات سياسية، أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها .
هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية التي وجدت البشرية لها صيغا وأساليب عملية، مثل الانتخاب والاستفتاء العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية والنقابات، وحق الأقلية في المعارضة، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء وغير ذلك من صور الحياة الديمقراطية . والذي يتأمل هذه الصور والممارسات الديمقراطية يجد أنها من صميم الإسلام، فالإسلام يرفض كل صور الإكراه حتى إنه ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه، ولا يرضون عنه، وفي الحديث: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً . ." وذكر أولهم: "رجل أم قوماً وهم له كارهون"، وإذا كان هذا في الصلاة فكيف في أمور الحياة والسياسة؟ وفي الحديث الصحيح: "خيار أئمتكم أي حكامكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم أي تدعون لهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" .
الحرية السياسية
د . محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية يرفض مزاعم وأكاذيب هؤلاء التكفيريين، الذين يحرمون بلا أدلة شرعية معتبرة ويجرون وراء أهوائهم ويقول: الإسلام يرحب بكل ما يحقق الحريات من نظم وأساليب ديمقراطية حديثة، كما أنه يرفض ويدين كل صور الحكم الديكتاتوري فالإسلام يقر الحرية السياسية ويجعل الأمة مصدر السلطات، ومن أهم الحقوق التي يجب أن تمنحها الأمة حتى تكون مصدرا للسلطات أن يكون لأفرادها عن طريق مباشر أو عن طريق ممثليهم الحق في اختيار الحاكم والحق في مراقبته ومحاسبته على أعماله . ومن هنا كان هذا الحق مكفولاً لكل فرد بالترشيح والانتخاب لتولي الوظائف العامة في الدولة، سواء كانت نيابية أو تنفيذية .
إننا لا نجد في القرآن ولا في السنة نصوصاً صريحة في كيفية اختيار الحاكم أو مراقبته بل ولا طريقة ممارسة الحكم، وإنما وجدنا في الشريعة الإسلامية مبادئ واضحة أقرت في هذا الشأن . والشريعة لا تستمد أحكامها من الكتاب والسنة فحسب، وإنما من مصادر أخرى أهمها الإجماع . وقد انعقد إجماع الصحابة في عهد الخلفاء الأربعة الراشدين على أحكام صريحة في شأن الحرية السياسية وسار عليها نظام الحكم في العالم الإسلامي .