تُظهر المستحاثات أن الذئاب عاشت على وجه الأرض منذ ما يُقارب 000 .300 سنة، أي عند نهاية العصر الحديث الأقرب، وبهذا فهي تُعتبر إحدى الحيوانات الناجية من حادثة الانقراض الجماعي التي وقعت في أواخر العصر الجليدي الأخير . وتظهر الذئاب في ثقافة وميثولوجيا الشعوب التي تعايشت وإياها عبر الزمن، بالمظهر الإيجابي والسلبي على حد سواء، وفق النظرة الخاصة بكل شعب على حدة . وتعتمد الذئاب على سرعتها عند الصيد، حيث إن صدورها الضيقة وظهورها وقوائمها القويّة تسهل عليها الحركة بفعالية . وهي قادرة على اجتياز مسافات شاسعة عن طريق الخبو بسرعة 10 كيلومترات في الساعة، وتصل سرعتها إلى حدود 65 كيلومتراً في الساعة خلال مطاردتها لطريدتها . وتمّ توثيق حالة قامت فيها إحدى إناث الذئاب الرمادية بالقفز إلى مسافة 7 أمتار عندما كانت تطارد فريستها .ئ؟
الذئب قادر على أن يعض بقوة تصل إلى 680 كيلو جراماً، وهذا يُشكل ضعفيّ قوة عضة كلب مستأنس يصل إلى الحجم ذاته . وتعيش الذئاب إجمالاً في مجموعة تُسمّى قطيعاً، إلا أنه يُمكن العثور على ذئاب منفردة بالبرية في بعض الأحيان، لكن القطعان تبقى أكثر شيوعاً . وعادةً ما يتألف القطيع من ذكر مسيطر وأنثاه وصغارهما، مما يجعل القطيع عبارة عن أسرة نواتية . وتبقى صغار الذئاب مع والديها حتى تبلغ سنتين من العمر في العادة . وتُساعد صغار العام الفائت أبويها على تربية صغار العام التالي، وتخضع الجراء بشكل كلّي لوالديها، وتبقى هكذا حتى بعد بلوغها مرحلة النضج الجنسي . وأظهرت إناث الذئاب في الأسر سلوكاً مغايراً لسلوكها البري في بعض الأحيان، فهي تتحدى أحياناً الزوج المسيطر، الأمر الذي قد ينجم عنه قتل الإناث لأمهاتها وقتل الذكور لآبائها . ولم يتم توثيق أي حالة مماثلة لهذه في البرية، مما جعل العلماء يفترضون أن هذا الأمر يحصل في الأسر فقط بما أن خيار مغادرة القطيع ليس متاحاً للجراء على الإطلاق، وكذلك ليست هناك من حالات موثقة قامت فيها الذئاب الخاضعة بتحدي أبويها على زعامة القطيع . وغالباً ما يقتل أفراد القطيع أي ذئب يتصرف بطريقة غريبة، كالجراء المصابة بالصرع، أو البالغ المصاب بطلق ناري أو المجروح بواسطة فخ .
رسم الحدود
ويُعد العواء الوسيلة الأساسية لإبعاد قطعان الذئاب عن بعضها وإبقاء مسافة آمنة فيما بينها، فالعواء يُحدد موقع النفوذ المركزي، وبالتالي يُمكن للقطيع المنافس أن يعلم مدى قربه من منطقة النفوذ . ويُعد البول أكثر الوسائل المستعملة عند الذئاب في رسم حدودها، ويرش الذئب البول في حدود منطقة النفوذ وأماكن تخزين الطعام والطرائد التي سبق واصطادها القطيع . ويُحدد البول المرتبة الاجتماعية لصاحبه أيضاً، إلا أنه ليس الوسيلة الوحيدة المستعملة من قبل الذئاب، فالتغوط يُعد وسيلة مألوفة كذلك وهو بمثابة إنذار مرئي للضواري والذئاب الأخرى . وتُساعد علامات البراز أيضاً الذئاب عند التنقل، حيث تسمح لكل ذئب على حدة بمعرفة موقع أفراد القطيع في حالة انفصاله عنه لبعض الوقت . وأهم وظيفة يؤديها التحديد سواء بالبول أو البراز، إعلام قطعان الذئاب المنافسة أن هذه المنطقة مأهولة وأن عليها عبورها بحذر .
وللذئاب غدد منتجة للروائح على جميع أنحاء جسدها، بما في ذلك عند قاعدة الذيل، وبين الأصابع، وفي عيونها، وأعضائها التناسلية، وجلدها . وتميز الفيرومونات (مواد كيماوية) المنبعثة من هذه الغدد كل ذئب عن الآخر فيقوم الذئب المسيطر بفرك جسده بجسد ذئب آخر خاضع ليعرف أنه من القطيع نفسه . وقد تقوم الذئاب بخدش الأرض بمخالبها لتحددها بفيروموناتها عوضاً عن رشها بالبول . والذئاب تتجاهل غالباً أي طريدة غير مألوفة لم تشاهد مثيلاً لها طيلة حياتها، وكلما كان هناك تناقض بين ما اعتادت الذئاب على رؤيته وبين الكائن الماثل أمامها، كلما ازداد ترددها في الاقتراب منه واستكشافه، وهذا هو السبب الذي يمنع الذئاب من مهاجمة الإنسان في الغالب، إذ أن أغلبية الذئاب لا ترى البشر في حياتها إلا بضع مرات فقط . وينقلب هذا المبدأ رأساً على عقب بحال تصرفت الطريدة الجديدة بجرأة، وأظهرت حزمها على المواجهة أو بينت عدم خوفها . فتقوم الذئاب بالاقتراب من الطرائد الجديدة، والاحتكاك بها مرات عدة، حيث تعمل على ترويض نفسها والتأقلم مع هذه الكائنات .
مطاردة الفرائس
وتظهر قطعان الذئاب التي يزيد عدد أفرادها على اثنين، تعاوناً استراتيجيّاً قليلاً عند صيد الفرائس الكبيرة، بالمقارنة مع مجموعات الأسود . وعادةً ما تحاول الذئاب إخفاء نفسها عند الاقتراب من طريدتها، وهي تنتظر غالباً حتى تبدأ الأخيرة بالرعي وتنشغل به حتى تنقض عليها . وبحال وقفت الطريدة في أرضها وجابهت الذئاب، فإن القطيع يقترب منها ويحاول إخافتها، وقد يهجرها بحال استمرت على هذا الموقف ولم تهرب، والوقت الذي تنتظره الذئاب قد يتراوح بين عدة ساعات إلى أيام . وعندما تبدأ الفريسة بالركض لتنجو بحياتها، يبدأ قطيع الذئاب بمطاردتها . والذئاب عادةً لا تُطارد فريستها لمسافات طويلة، إذ إنها تتوقف بعد اللحاق بها لمسافة تتراوح بين 10 و180 كيلومتراً . وتحاول الذئاب إجمالاً أن تشل حركة الطريدة الضخمة عن طريق عض وتمزيق وركها وعجانها، مما يتسبب بنزيف كبير وفقدان للاتزان . ويُمكن لعضة واحدة أن تسبب جرحاً يصل طوله إلى ما بين 10 و15 سنتيمتراً . وعندما تُمسك الذئاب بطريدة متوسطة الحجم، فإنها تلجأ إلى عض عنقها مما يُثقب قصبتها الهوائية أو حبل الوريد . وعندما يُهاجم الذئب حيواناً مساوياً أو أقل منه وزناً، كالحملان أو الجديان، فإنه يُمسك بها من عنقه أو صدره أو رأسه أو فخذه، ويحمله إلى مكان معزول . وعندما تنهار الفريسة أمام صيّاديها، فإن الذئاب تقدم على تمزيق البطن وتبدأ بالأكل فوراً، حتى وإن كان الحيوان لمّا ينفق بعد . وفي بعض الأحيان، لا تُبقي الذئاب ضغط الهجوم مركزاً على الطريدة، بل إنها تجلس منتظرة حتى تموت جرّاء النزيف الكثيف الذي أحدثته بها .
وتُهاجم الذئاب إناث الحافريات الحوامل في بعض الأحيان وتفتك بها للاقتيات على أجنتها، وتترك الأم من دون أن تمسها . وتقوم الذئاب بتعزيز مركزها الاجتماعي في القطيع أثناء الاقتيات . فالزوجان المتناسلان هما من يقتات أولاً إجمالاً، حيث يأكلان أفضل أقسام الطريدة وهي القلب والكبد والرئتان . وتقوم الذئاب ذات المرتبة المتوسطة بمنع ذات المرتبة الدنيا من الأكل قبل أن ينتهي الزوجان المسيطران . وتقتات الذئاب على معدة طريدتها، لكنها لا تمس محتواها إذا كانت الفريسة من آكلات الأعشاب، كذلك فإنها تأكل عضلات قوائمها، وتترك الجلد والعظام إلى أن تنتهي من اللحم . وبحال أزعجت الذئاب وهي تقتات، كأن يحاول حيوان مفترس آخر سرقة طريدتها، فإنها تركز عندئذ على مخزون الدهون عوضاً عن الأعضاء الداخلية، وذلك حتى تحصل على أكبر قدر ممكن من الطاقة إذا اضطرت لهجر الطريدة .