في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اعتلاء الحزب الشيوعي الصيني سدة الحكم في بكين، أعلنت الصين في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عن إقامة أول قاعدة عسكرية خارج حدودها الدولية في جيبوتي، تلك الدولة صغيرة المساحة والسكان، الكبيرة في أهميتها الاستراتيجية، بموقعها الفريد في القرن الإفريقي، الذي يشرف على خليج عدن ومضيق باب المندب.

هذه الخطوة أزعجت القوى الدولية ذات المصالح والنفوذ في المنطقة، خاصة أنها ستمكن الصين من تثبيت أقدامها في الممرات البحرية العالمية، كما أنها ستمنحها نقطة وصول مريح إلى الجزيرة العربية حيث مكامن النفط الهائلة.

هذا الإعلان الصيني عن إقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي له أكثر من دلالة. فهو يتوج العلاقات المتنامية بين الصين وإفريقيا، التي بدأت سياسياً في إطار مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز عام 1955، ثم تدعمت دبلوماسياً عام 1956، عندما تم تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الصين ومصر، واستمرت عبر المساندة الصينية لقضايا التحرر الوطني في إفريقيا، والتنسيق بين الصين وإفريقيا في إطار مجموعة ال77، التي تعد أكبر تحالف للدول النامية خارج منظومة الأمم المتحدة، فضلاً عن تنامي الاستثمارات الصينية في القارة، وتضخم حجم تجارة الصين مع دولها، ليصل إلى 385 مليار دولار عام 2015، لتصبح الصين بذلك هي الشريك التجاري الأول لإفريقيا، متقدمة على أوروبا والولايات المتحدة.

من جهة أخرى، فإن إقامة هذه القاعدة يتناقض مع السياسية الصينية التقليدية القائمة على مبدأ عدم منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في مجال بناء قدرات عسكرية قوية والانتشار حول العالم. كما يمثل توجهاً نحو تعديل العقيدة القتالية للجيش الصيني «جيش التحرير الشعبي»، التي كانت تقوم على أساس الدفاع عن حدود الأمة، وحماية قيم النظام الشيوعي، لكي يقوم بأداء مهام متنوعة قتالية وغير قتالية خارج حدود الدولة، الأمر الذي ربما يواكبه إدخال تغييرات عميقة خلال الأعوام المقبلة على تكوين الجيش وتسليحه ونظمه التدريبية.
كما أن إنشاء هذه القاعدة يمثل تحولاً نوعياً في أدوات السياسة الخارجية الصينية إزاء إفريقيا، يختلف عن الآليات السابقة التي دأبت الصين على الاعتماد عليها، حيث تركز الصين على البعد الاقتصادي للعلاقات، وتحرص على تقديم نفسها للأفارقة باعتبارها «أكبر دولة نامية في العالم»، وتؤكد دوماً أن علاقاتها بإفريقيا تقوم على مبادئ التعاون، والندية والمنافع المشتركة، والثقة المتبادلة، بعيداً عن سياسات التسلط والهيمنة.
وقد تجسد ذلك فعلياً في إقامة منتدى التعاون الصيني - الإفريقي، الذي انطلق من بكين في العام 2000، والذي عقد دورته السادسة في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الجاري. إضافة إلى إحجام الصين عن التدخل في الصراعات الداخلية الإفريقية، باستثناء الحالة التشادية، التي اضطرت معها بكين إلى دعم المعارضة المسلحة ضد نظام الرئيس إدريس ديبي، بعد إعلان الأخير اعتزامه إقامة علاقات دبلوماسية مع تايوان واعترافه بحقها في الاستقلال، وهو أمر بالغ الحساسية بالنسبة للصين، التي تتمسك بسياسة «صين واحدة»، فضلاً عن أن الصين لم تستخدم مطلقاً حق الفيتو لمصلحة أي دولة إفريقية، تأكيداً لحرصها على عدم التورط في معتركات السياسة الإفريقية.

والواقع أن هناك العديد من العوامل التي تفسر اتجاه الصين نحو تكثيف وتطوير وجودها العسكري في القارة. لعل أهمها هو تزايد مساحة التهديدات التي طالت المصالح الصينية في إفريقيا، نتيجة لانتشار الحركات الأصولية ذات المرجعية الإسلامية، مثل الشباب المجاهدين في الصومال، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والجماعة السلفية للدعوة والقتال وبوكو حرام في الساحل الإفريقي، فضلاً عن تنامي الصراعات الداخلية في كل من ليبيا ومالي وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، حيث مثل الصراع الأخير تحديداً تهديداً قوياً للاستثمارات النفطية الصينية في هذه الدولة، التي تؤمن للصين 7% من وارداتها النفطية من إفريقيا. وهو ما أكد للحكومة الصينية عدم كفاية الاعتماد على المشاركات الرمزية لقواتها المسلحة ضمن بعثات الأمم المتحدة لحفظ وبناء السلم في بعض الدول الإفريقية، مثل ليبيريا والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان، أو المشاركة في مواجهة عمليات القرصنة في خليج عدن.
في هذا السياق يمكن تفسير الحرص الصيني على إقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي، والتمهيد لذلك بتدعيم العلاقات الاقتصادية معها، رغم أن اعتبارات الرشادة الاقتصادية لا تبرر ذلك، بالقياس إلى تدني المؤشرات الاقتصادية في جيبوتي وصغر حجم السوق فيها. إذ تمول الصين حالياً مشروعات تطوير البنى التحتية في جيبوتي، بتكلفة مالية تقدر بأكثر من 14 مليار دولار، تتضمن إنشاء وتطوير شبكات الطرق، والموانئ البحرية والمطارات الجيبوتية، وتمويل خط سكة حديد جيبوتي - أديس أبابا. كما تسعى بكين إلى شراء حصة مهمة في ميناء جيبوتي بقيمة 1.8 مليار دولار. كما تسهم في دعم مشروعات التعليم والصحة أيضاً.
وبالنسبة إلى جيبوتي، فإن الوجود المكثف للصين، اقتصادياً وعسكرياً، فيها يلقى ترحيباً قوياً من الرئيس إسماعيل عمر جيلة، فهو يؤمّن له التمويل اللازم للتنمية في بلاده، التي يحاصرها الفقر، حيث تأمل جيبوتي في جذب الاستثمارات الصينية، بما يؤهلها لكي تصبح مركزاً لوجستياً وتجارياً واعداً، على غرار تجربتي سنغافورة ودبي. كما أن الدعم الصيني يمنح الرئيس جيلة دعماً قوياً قبل الترشح للانتخابات الرئاسية المزمع عقدها خلال العام 2016، في ظل المعارضة القوية من خصومه السياسيين، كما أنه يكسبه القدرة على المناورة الإقليمية، والتحرر النسبي من الضغوط الغربية المتعلقة بسجل جيبوتي في مجال حقوق الإنسان، خاصة في ظل الوجود العسكري المكثف لكل من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا في جيبوتي وسواحلها، بدعوى محاربة الإرهاب والقرصنة.
لكن إنشاء هذه القاعدة يمثل من جهة أخرى، إزعاجاً للقوى الدولية المنافسة، خاصة فرنسا والولايات المتحدة واليابان، حيث تعتبر فرنسا هي الدولة المستعمرة الأم لجيبوتي، والتي تقع فيها أكبر قواعدها العسكرية في القارة السمراء، وبالتالي فهي تخشى من إزاحة نفوذها في جيبوتي لمصلحة الصين. أما الولايات المتحدة فهي تستأجر قاعدة عسكرية في جيبوتي، هي قاعدة «كامب ليمونيه»، التي تعتبر أكبر قواعدها العسكرية الدائمة في إفريقيا (4 آلاف جندي)، والتي تعتمد عليها منذ العام 2001 في مراقبة الأوضاع الأمنية في القرن الإفريقي، وشن الهجمات ضد عناصر القاعدة والشباب المجاهدين في اليمن والصومال، وتدريب القوات الإفريقية المشاركة في الحرب ضد الإرهاب. أما اليابان فقد أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي في العام 2009، لذا فهي تتخوف من النفوذ الصيني، في ظل علاقات التنافس التاريخية بين الدولتين.
لذا تحفظت الدول الثلاث على تنامي العلاقات الاقتصادية والأمنية الصينية مع جيبوتي، كما بدأت بالفعل مشاورات للضغط على الرئيس الجيبوتي، الذي يقبع في السلطة منذ العام 1999، والذي يسعى للترشح لولاية رئاسية رابعة، بما يضطره إلى عدم الترشح للانتخابات ابتداء، أو يؤدي إلى هزيمته في الانتخابات، إذا أصر على خوضها، لمصلحة مرشح آخر يكون أكثر قدرة على تحقيق وتدعيم لمصالح الدول الغربية وحلفائها في القرن الإفريقي، كما حرصت الولايات المتحدة على تمديد عقد إيجار قاعدتها في جيبوتي لعشر سنوات مقبلة، مع مضاعفة قيمتها الإيجارية من 30 مليون دولار إلى 60 مليون دولار.
في المقابل، سعت الصين إلى طمأنة الدول الغربية، حيث نزعت وزارة الخارجية الصينية الصفة العسكرية عن قاعدتها في جيبوتي، مؤكدة أن سياستها في القارة الإفريقية ليست بحاجة إلى مثل هذه النوعية من القواعد، وأن الأمر يتعلق الأمر باتفاق تم توقيعه مع جيبوتي في فبراير2014، يتضمن تدريب الصين للقوات المسلحة الجيبوتية، وإقامة «نقطة تموين»، تستخدم في تأمين الدعم اللوجيستي لسفن الصين التجارية، وكذا سفنها الحربية العاملة ضمن قوات الأمم المتحدة في سياق محاربة القرصنة البحرية في خليج عدن، وتأمين الملاحة، والقيام بعمليات الإجلاء في حالات الطوارئ، خاصة أن جيبوتي تبعد نحو 7 آلاف كم عن الحدود الصينية.
وقد دللت الصين على سلامة موقفها بأنها لم تواجه أي اعتراضات رسمية بشأن إنشاء هذه القاعدة من جانب جيبوتي، أو غيرها من دول الجوار في القرن الإفريقي، وأن الحديث المثار عن المعارضة الغربية لها هو مجرد اجتهادات من وسائل الإعلام. لكن هذه التطمينات الصينية لم تفلح في تبديد مخاوف القوى المنافسة، خاصة أنه لا يوجد ما يحول دون تطوير هذه القاعدة من «محطة للدعم اللوجستي»، بفرض صدق النوايا الصينية، إلى قاعدة عسكرية، وأنه لا توجد ضمانات تحول دون إنشاء قواعد صينية أخرى في ربوع القارة، في ظل الحديث عن محاولات صينية لإقامة قاعدة عسكرية في السنغال.

وسط هذا الجدال حول طبيعة القاعدة الصينية في جيبوتي ودوافع إقامتها وتوقيت إنشائها، يبقى التأكيد على حقيقة مهمة، وهي حرص العملاق الصيني على الزحف التدريجي صوب القارة الإفريقية، والإبقاء على العلاقة مع القوى الدولية ذات النفوذ فيها عند حدود التنافس، وتأجيل الصدام معها إلى أقصى مدى ممكن، إلى أن تحين الفرصة لتتويج الصين «المارد الأصفر» على عرش القارة السمراء من باب الاقتصاد أيضاً، ولكن في ظل وجود قوة عسكرية تحميه.


د. أيمن شبانة*

*مدرس العلوم السياسية - معهد البحوث والدراسات الإفريقية (جامعة القاهرة)