لحظات من حياتنا نتعلق بها، تطول إقامتنا فيها، نتفيأ ظلالها ويسحرنا عبقها ويأخذنا الحنين إليها، ولحظات أخرى نتجاهلها وكأنها ليست من حياتنا . هي الذكريات بحلوها ومرها لا تلزمها طقوس خاصة كي تأتي وتذهب ولا جلسات مسبقة، فهل تغير الذكريات على اختلاف نوعها نظرة الفرد للحياة؟ وهل بالإمكان التغلب على الذكريات المؤلمة بالنسيان؟ كيف نتنفس الغد بصورة مشرقة خالية من رواسب التجارب الماضية؟ في هذا التحقيق تحدثنا مع فئات مختلفة من الجمهور وبعض الشخصيات الفنية والإعلامية عن أثر الذكريات في حياتهم .
ذكريات الطفولة هي ملامح المكان والزمان لدى الفنانة البحرينية هيفاء حسين العالقة في ذاكرتها بأدق تفاصيلها وتقول بكل حنين: ما أروعها من لحظات نلعب فيها ونلهو ببساطة من دون التفكير في الغد، هي من أجمل مراحل العمر لكن الآن تغيرت الحياة مع عصر السرعة والتكنولوجيا، ففي السابق كل شيء كان بسيطاً وله طابع خاص وأخص بالذكر تطور الألعاب فالطفل أصبح اليوم أكثر شراسة وعنفاً وجرأة وهذا بسبب التطور التكنولوجي المتسارع .
وعن أجمل وأسوأ ذكرى، قالت: لا شيء يضاهي شعور الفرحة الحقيقية التي اعتبرها أجمل ذكرى يحملها قلبي عندما رزقت بابني سعد، وفرحتي الثانية زواجي من الفنان حبيب غلوم، وعندما يطلب مني الحديث عنه لا أعرف ماذا أقول فقط أحس بالراحة والطمأنينة والحب فهو الدافع الذي يحفزني على العطاء أكثر، ولا أنسى دفء وروعة بعض الذكريات مع زوجي خاصة بعد زواجنا مباشرة، إذ لم يتسن لنا قضاء شهر العسل بسبب ارتباطنا فنياً بتصوير مسلسل بنات آدم في البحرين وخلال التصوير كانت مشاعري تراوح بين الخجل والفرح وكنت أعامله كزميل عمل أكثر من زوج وكان لكل هذا ذكرى جميلة أسعد عند تذكرها، أما الذكرى الوحيدة المؤلمة هي وفاة زوج أمي، لأنني أحسست أنني فقدت شخصاً عزيزاً .
وتضيف: بعض الذكريات أتوقف معها واستخلص منها الدروس، فعندما أخسر أحدهم بسبب خلاف أعيد النظر بتعاملاتي مع الآخرين، فالخلاف لا يعني أن الشخص غير مناسب، قد يكون هناك سوء فهم مثل ما جرى بيني وبين صديق كبرت الحواجز بيننا وأدت للانقطاع النهائي . وقد يحدث أن نبتعد عن أناس نحبهم بحكم الظروف الاجتماعية أو المهنية، فأنا أشتاق لصديقة عزيزة على قلبي تعيش في البحرين وذكراها تعطر أجوائي وتسعدني حتى ولو لم نلتق، ومبدأي في الحياة أن لا أندم على أي ذكرى سواء كانت جميلة أو مؤلمة .
لا مكان للذكرى في حياة الفنان عبدالله الجنيبي، فالواقع أهم من شبح ذكريات لن تعود . يقول: هناك محرك خاص يوقظ الذكريات كحدث ما أو تصرف معين أو صورة . . مؤلماً لكنني لا أعيش على الذكريات لأنها عبارة عن تجارب تترك أثراً في النفس جميلاً أو العكس لكن الذكي من يتعلم منها والضعيف من يجعلها تؤثر على مجريات حياته . وأعتقد أن طبيعة الحياة وما تشهده من تسارع وتطور في شتى الميادين أخذت الذكريات لمكان أبعد في أعماقنا فلا وقت للبكاء عليها أو حتى الضحك معها خاصة بالنسبة لي، لأن طبيعة عملي المتواصل سواء على الصعيد الفني أو الأدبي لا تخلق مساحة للذكرى، فواقعي متجدد مع أسرتي وأبنائي وعملي، وعندما أتذكر والدتي التي توفيت أتألم وأشعر بأنني لم أوفها حقها لأنها تستحق الكثير .
لا تزال شوارع عمّان القديمة وصدى الأصوات المزدحمة في الأسواق الشعبية تحمل خصوصية في ذاكرة الفنان الأردني شاكر جابر الذي يقول: الأعمق في داخلي ذكريات الطفولة في بلدي، خاصة شوارع عمّان القديمة وزقاقها والناس والأسواق كل شيء كان جميلاً في الماضي، لذلك أحن للطابع الشعبي وحياة الناس القديمة ببساطتها وملامح الأمكنة القديمة . عندما أتذكر بداية مشواري الفني أستحضر أول ظهور لي على المسرح كانت لحظات لا تنسى، وأول بطولة تلفزيونية في مسلسل (عرس الدم) للكاتب لوركا والمخرج خالد العريفي سنة 1991 بقي هذا العمل في ذاكرة الناس إلى الآن وميز الحركة الفنية الأردنية وهو من أقرب الأدوار إلى نفسي . ومسلسل أيام عصيبة أيضاً له مكانة وذكرى مميزة وكل هذا يمدني بمشاعر الأمل والعطاء، وأنني مازلت هاوياً للفن ومبتدئاً فيه، وأيضاً عندما رزقني الله بولد بعد 16 سنة من الزواج عندما أتذكر هذه اللحظة أحمد الله كثيراً . وبالطبع ذكريات الوداع مؤلمة جداً، وتأثرت بوفاة والدي ووالدتي فذكراهما تحيي طيفهما الذي لا يغيب .
استعادة الذكريات في لحظة الضيق والكآبة تلهم خلود أحمد، إعلامية، فرحاً وتفاؤلاً، خاصة أنها، حسب وصفها، شخصية عاطفية وحساسة . تقول: تترك الذكريات أثراً عميقاً داخلي وعندما ترتبط الذكرى بتجربة سيئة أتأثر بالشكل الذي يمكنني من الاستفادة أكثر وصقل جوانب معينة في شخصيتي . التخرج في الجامعة أجمل لحظة، وشعور الفرحة لا ينسى حتى إنني أضحك عندما أتذكره، فمن شدة الفرح لم أشعر بوجود الخريجات حولي، كم هي جميلة ارتباط ذكرى الأحداث برائحة العطر إلى الآن أبحث عن عطر قديم ولم أجده، رائحته تذكرني بتفاصيل أول يوم في الجامعة وشقاوة صديقاتي السبع، ومواقف كثيرة عندما أتذكرها يأخذني الحنين إليها .
وتتابع حديثها عن ذكرى آلمتها: أطول 6 ساعات في حياتي كانت عند انتظار خروج أختي بعد عملية خطرة جداً، حيث إنها كانت مصابة بانحراف في العمود الفقري، كنت برفقتها لحظة بلحظة أتظاهر أمامها بالقوة والإرادة وداخلي منهار، إلى الآن عندما أنظر في ألبوم الصور أتذكر تجربة مخيفة انتهت بشفاء أختي .
تحتل المرحلة الجامعية مكانة خاصة في حياة د .إبراهيم الشامسي، أستاذ في الإعلام في جامعة الإمارات، حيث يرى أنها بيئة حيوية قائمة بذاتها سطرت ذكريات لا تنسى بأوقاتها الحلوة والمرة . ويقول: تتشكل ملامح الشخصية في الحياة الجامعية وتتغير من المراهقة حيث الاندفاع إلى النضج والوعي الذي تزداد درجاته بإقبال الشخص على المجتمع وهذا ما يجعل لهذه الفترة خصوصيتها . وبالنسبة لي الأمر في الجامعة مختلفاً تماماً عن المدرسة، حيث إن الاتجاه الدراسي في الجامعة عبارة عن منهج أو تخصص واحد وكونها تشتمل على أقسام وتخصصات عديدة تتشكل ثقافات مختلفة بين الطلاب وتنوع في الرؤى والأفكار وهذا بالطبع أجمل شيء اكتسبته من الجامعة . والذكريات السعيدة دافع يتبعه سرور وتمني عودة تلك اللحظات ومعايشتها من جديد، أما الذكريات السيئة فهي أيضاً دافع لتصحيح مسار الإنسان وقد يستفاد منها أيضاً كدروس تلخص نتاج تجربة ما .
ويضيف: عندما أسترجع شريط ذكرياتي أبحث في تفاصيل الماضي وأتذكر بصمة والدي، رحمه الله، الذي كان حريصاً جداً على غرس أسس التربية السليمة وتوجيهنا في الحياة التوجيه الصحيح وآنذاك كنا مقيمين في الكويت ولم يكن الوضع المعيشي جيداً وكان رحمه الله يغير البيت باستمرار بحثاً عن الأرخص ويصر على أن يكون بجانب البيت مسجد . والدي كان موظفاً بسيطاً في مدرسة يحضر الشاي والقهوة للمدير والموظفين، وعندما طلب نقله إلى مدرسة أقرب للمنزل لأنه لا يملك سيارة عارض المدير في البداية لأنه يتقن عمل الشاي والجميع يحبه ومتعود عليه ولكن بعد الموافقة وانتقاله للمدرسة الثانية لم يتحمل المدير والموظفون غيابه وأعادوه بعد أسبوع فقط، عندما أتذكره أستعيد المعاني الحقيقية للتواضع وحسن الخلق والمحبة .
لو لم تكن الذكريات موجودة لأصبحنا بلا روح، هكذا يصف عبدالله العيتاني، موظف مبيعات في دبي مول . ويقول: منذ 3 شهور أتيت للإمارات للعمل ومع أنني سعيد جداً إلا أن الذكريات تلازمني ولا ينتهي حنيني لشوراع مدينتي القديمة وضحكة الأصدقاء ولقاء الأحبة، استنشق عبير النسمات الباردة صباحاً مع رائحة القهوة وأغاني فيروز، وذكريات رحلات البر وركوب الخيل وغير ذلك فالذكريات حديث مهما طال لا ينتهي .
وتمتزج مشاعر عبداللطيف دبوس، موظف في الجابر للنظارات، بين الشوق والحزن عندما يخطف الموت عزيزاً عليه، ويقول: شعور غريب يتملكني لكنه إحساس موجع عندما أتذكر شخصاً عزيزاً أخذه الموت وأحزن على فراقه وتكون الذكريات الملاذ الوحيد لإحياء طيفه الذي لا يموت، فلا يوجد شخص لم تؤثر الذكرى في حياته بشكل أو بآخر لأنها جزء لا يتجزأ منا، نلجأ إليها نحبها بكل ما فيها، نبكي بين طياتها تارة ونتقاسم معها الضحكات تارة أخرى .
ولا يحن يوسف فياض يوسف، بائع إكسسوارات، لأيام الطفولة، بل يأخذه الشوق لفترة المراهقة حيث الاهتمام والدلال . يقول: في الصف الأول الإعدادي أقمت في بيت جدي وكنت ابنهم المدلل لا يرفض لي طلب، عندما أتذكر تفاصيل حياتي في هذه المرحلة أنسى الهموم والمتاعب، وأتمنى لو أنها تعود .
ويضيف: أتيت للإمارات منذ حوالي 6 شهور تقريبا ومع أنني شخص مرح لكنني أصبحت غير اجتماعي، عندما أتذكر ذكريات أشخاص طبعوا مواقف سيئة في ذاكرتي هذا يجعلني غير متفائل في تكوين علاقات جديدة .
ناجي القنطار، مساعد مدير مبيعات في شركة زيولينك، يقول: في وقت اشتعال لبنان بالأزمات ورائحة الحرب تفوح في كل مكان كنت صغيراً وأصبت في رأسي ولايزال المشهد عالقاً في مخيلتي وفيه إحساس الخوف ومنظر الموتى . لا أحب هذه الذكريات لكنها تطاردني في بعض الأحيان . لم يعد لدي مكان متسع لأي ذكرى سيئة لذا عندما يضايقني أحد إن كان على صعيد العمل أو الأقارب لا أعتبره موجوداً وأقطع علاقتي به نهائياً، ربما تصرفي ليس صحيحاً لكنني لا أتحمل مزيداً من الذكريات السيئة ولا أحب تراكمها في ذاكرتي لأننا بشر وطبيعي أن نتأثر بها .
منال مرعي، مديرة معرض مفروشات، تقول: نظراً لظروف الحرب في بلدي غادرنا لبنان منذ نحو 25 سنة إلى اليونان، وبعد زواجي استقررت في دبي لكنني أحن باستمرار لحياتي في اليونان بجميع تفاصيلها في الجامعة مع الأحبة والأصدقاء، حتى عادات الشعب اليوناني اشتقت لها اجتمعت فيها مع أشخاص رسموا صورة جميلة في نفسي ولم أشعر معهم بالغربة لأن عاداتهم تقريباً قريبة من العرب حتى في طريقة تحضير الطعام، ومازلت أحتفظ بأصدقاء أتواصل معهم إلكترونياً، فلا أجمل من ذكرى توقظ الفرح والابتسامة في أيامنا .
هنادي، مديرة محل، تقول: ذكريات الطفولة والحياة الجامعية أيام محفورة في ذاكرتي بكل ما فيها من براءة وعفوية ومشاكسة وشقاوة ومواقف عصية على النسيان، لدي صديقة مقيمة في أثينا، لم نلتق منذ 10 سنوات وعندما أتذكر الأيام التي قضيناها في الماضي أشعر بالراحة والسرور لتذكرها، وأيضاً صديقاتي في السويد وفي لبنان أتذكرهن دوماً وإلى الآن نتواصل من خلال الفيس بوك . وربما لا أجد تعبيراً يصف أجمل ذكرى في حياتي عندما رزقت بابنيّ رشيد ونينا .
وتضيف والدموع في عينيها: أشعر بالحرقة والمرارة تعتصر قلبي عندما أتذكر ابنيّ اللذين حرمت منهما بسبب انفصالي عن زوجي، وهناك ذكرى ذكرى أخرى مؤلمة هي وفاة أختي وعمرها 24 سنة .
أسامة السعداوي، مدير محل بتيل للشيكولاته، يجد أن النسيان نعمة، ويقول: بداخل كل واحد كتاب من الذكريات، أوقات جميلة ولحظات عشنا معها ذكريات مؤلمة وحزينة، ولكن موقفنا تجاه هذه الذكريات يختلف، فالبعض منا يتهرب ولا يحب أن يقلب صفحاتها لأنها تؤلمه، يتخلص منها بأي طريقة، وهذا ما أفعله، فلا أقف عند أطلال الذكريات الحزينة وأفضل كتمها مهما كانت قاسية، فالنسيان نعمة كبيرة ومع الوقت والأيام تتلاشى .
وتعبّر نور سمير أسعد، طالبة في كلية الخوارزمي الدولية في العين، عن ذكرى مخيفة لا تحب تذكرها قائلة: تمر الأيام وتبقى ملامح بعض المواقف ثابتة بين طيات الذكريات ومنها ذكرى غرق أخويّ أمام ناظري ولم أستطع فعل شيء لهما، ولكن الله لطف بهما وتم إنقاذهما بواسطة فريق إنقاذ متخصص، إلى اليوم عندما أتذكر هذا الموقف أشعر بألم لأنني كنت سأفقد عزيزين من عائلتي . وللنجاح لذة وذكرى لا تنسى، فعندما ارتديت ملابس التخرج في مرحلة الثانوية جاءتني مشاعر مختلطة بين الفرح والانطلاق للمستقبل . وأيضاً من الذكريات الطريفة عندما كنت طفلة وكان عمري آنذاك 8 سنوات اصطحبني والدي إلى السوق وخلال تجوالنا بين المحال استوقفني منظر الحلويات المعروضة وأشكال الكعك والهدايا وبقيت واقفة أتأمل والتفتت لم أجد أهلي فبدأت بالبكاء والصراخ وأدخلني صاحب المحل وأطعمني حلوى لذيذة، ومن ثم وجدني والداي منشغلة في الأكل، أضحك كثيراً عندما أتذكر ذلك .
وترى إرم عبدالعظيم، جامعية، أن الحياة دروب والقوي من يتغلب على ذكرياته المؤلمة، وتقول: الذكريات الجميلة لها وقع في قلبي وتنسيني الهموم، والذكريات المؤلمة أحياناً تعطي دفعاً للمضي في دروب الحياة بقوة وأحياناً أخرى تجعلني أتألم ولكنها تبقى ذكريات ولا أحب استعادة تفاصيلها .
تلتهب مشاعر أسماء الشعشاعة، باحثة قانونية في مكتب سالم بهيان في العين، وتتأجج عواطفها عندما تكون وجهاً لوجه مع الذكريات، وتعبّر عن ذلك قائلة: عندما أسترجع ذكرياتي أبتسم وأتألم في آن واحد، أتألم لأن السعادة لم تكتمل وبقيت أجمل اللحظات ذكريات فقط، ولكنها تجعل ثقتي كبيرة في الغد . مرحلة الثانوية جميلة بكل تفاصيلها علمتني الكثير وتذكرني بالكثيرين ممن كانوا يشكلون صورة مشرقة في حياتي . إلى الآن رنين كلماتها في مسامعي تلك المدرسة الرائعة التي توفيت بمرض السرطان وأتذكر عندما كرمت من المدرسة في الطابور الصباحي أشادت بي أمام الطالبات .
عوامل ومثيرات
يحلل د . باسم السامرائي، أستاذ في علم النفس التربوي في كلية التربية والعلوم الأساسية ورئيس قسم العلوم التربوية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، تعاطي الإنسان مع الذكريات التي هي مجريات أحداث مرت عليه وتلقاها بحواسه الخمس، ويقول: لقد أنعم الله عز وجل علينا بنعمة الدماغ وقدراته على خزن الذكريات وتذكرها، والإنسان يستقبل يوميا بل وفي كل لحظة معلومات، ومعرفة، ومثيرات، وانفعالات متعددة ومتنوعة من خلال حواسه الخمس، فبعضها ينتقل للخزن المؤقت والبعض الأخر للخزن الدائم، والإنسان يستذكر ما يخزنه في الذاكرة الدائمة وقد نسأل أنفسنا: لماذا لا نستطيع استرجاع ما لدينا في الذاكرة في بعض المواقف الحياتية وحتى في الامتحانات . ويضيف: هنالك عوامل عديدة ومنها معنى المعلومة أو الموقف لدينا، أسلوب خزن المعلومة، استخدامها في المستقبل . قد نستذكر حدثاً سعيداً أو حزيناً في فترة طفولتنا لأن هذا الحدث كان له معنى نفسي له دلالة ومردود كبير، وكذلك نستذكر بمسرة الإنجازات التي شهدنها في فترات الشباب سواء بصيغة أغانٍ أو أعمال أدبية أو إنجازات اجتماعية لأنها ذات معنى كبير، وعندما نواجه هذه الأيام مثيرات لها علاقة بهذه الإنجازات ولكن ليس لها معنى نشعر بالأسى عندما نقارن الواقع مع ما لدينا بالذاكرة .
وحسب السامراني، للفرد دماغ يسجل المعلومة أو الحدث بشفرة وأي مثير له علاقة بالحدث يظهر خلال حياتنا اليومية يستدعي تاريخ هذا الحدث وتأثيراته علينا . وأحياناً بعض الناس ينسى أسماء أقرب الناس إليه لأنه لا يستخدمها بصورة متكررة .
ويوضح د . سعيد أمين ناصف، أستاذ علم الاجتماع في كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، ارتباط الذكريات بمراحل الطفولة والمراهقة والشباب . ويقول: لا شك في أن عالم الذكريات بالنسبة لكل فرد من أفراد المجتمع مليء بالأحاسيس والمشاعر التي أحياناً يسترجعها ويمعن التفكير فيها، وقد يشعر بالفرح والسعادة والمتعة حينما يسترجع بعضها، وقد يشعر بالألم والمرارة عندما يسترجع البعض الآخر، وذلك لارتباطها بمواقف معينة مر بها، خاصة في طفولته أو المراهقة أو الشباب . ويضيف: إذا كانت هذه الذكريات بكل ما تحمله من أحاسيس تمثل تجسيداً لمراحل معينة مر بها الإنسان خلال عمليات التنشئة الاجتماعية التي تعرض لها من خلال الوسائط المختلفة بدءاً من الأسرة مروراً بالمؤسسات التعليمية المختلفة، وصولاً إلى تأثير الوسائط الأخرى خاصة الإعلامية والتثقيفية، فإنها تمثل جزءاً أساسياً من مكونات شخصيته، ومن ثم فهي تمثل ذكريات الماضي، ويستطيع بعض الأفراد استرجاع تلك الذكريات خاصة التي تشعرهم بالسعادة لتعينهم على تحمل أحداث الواقع .
وعن أهمية الذكريات وتأثيرها في حياة الشعوب، يقول: إذا كانت تمثل أهمية خاصة بالنسبة للبعض، خاصة الذكريات التي تشعرهم بالسعادة والفرح، وتعينهم على التعايش مع واقعهم الراهن، فإن الذكريات تمثل أيضاً أهمية بالنسبة للشعوب والمجتمعات، فغالباً ما يفسر البعض بعض معطيات الواقع الراهن بأنها تمثل تكراراً لأحداث وقعت في الماضي، كما يقارن البعض بين أحداث الماضي والحاضر مستنتجاً أوجه الشبه والاختلاف بينهما . ولذلك فإن فهم الماضي والوقوف على سلبياته وإيجابياته يمكننا من فهم الحاضر وتحليل أحداثه تحليلاً علمياً موضوعياً، كما أن فهم الحاضر وتشخيص مشكلاته الاجتماعية يمكننا من التنبؤ بالمستقبل، ومن ثم وضع الخطط والبرامج والسياسات الفعالة لتجاوز تلك المشكلات والحد من خطورتها أو مواجهتها والقضاء عليها .