من أعالي أحد الجروف الخطرة التي تطل على المحيط الأطلسي يتدلى الباحث البيولوجي ميشيل سودينيلا ليلقي نظرة سريعة ودقيقة على أنثى الفقمة الراهب التي جاءت لترضع على الشاطئ. ويبدو أن سودينيلا كان سعيداً بهذا المشهد، فمنذ 15 سنة على الأقل لم يشاهد هذا الأمر يحدث خارج إطار المغارة أو الكهف. حتى شاهده نهاية 2008 في منطقة الرأس الأبيض، وهي منطقة حدودية بين المغرب وموريتانيا.

على هذا الجزء الصغير من الساحل الذي لا توجد عليه آثار لحياة بشرية أو حيوانية، جاءت الفقمة الراهب، أو فقمة المتوسط، كما يسميها البعض، في محاولة لانقاذ نفسها من خطر الانقراض باعتبارها من أكثر الأنواع التي تنتمي إليها طائفة الأقدام المجنحة تهديداً بالانقراض على الأرض.

ولا يتجاوز عدد هذا النوع من الفقمات 180 في منطقة الرأس الأبيض، وهو العدد الأكبر في العالم.

وتعتبر الفقمة الراهب الوحيدة من بين أنواعها الثلاثة الأخرى التي تعيش في مستعمرة أو تجمع وهو البنية الاجتماعية الأساسية لهذا الحيوان، وتقوم الذكور منها بالتجوال على طول الشاطئ للمراقبة والغوص، أما أمام الكهوف التي تكثر هناك فيلاحظ أن الفقمات التي لم تبلغ مرحلة البلوغ تفضل اللعب والغوص وتمارس لعبة العضعضة فيما بينها في حين أن الأمهات الصغيرات تقوم بحضانة صغيرات الفقمات أو الجراء الجديدة داخل الكهوف المجاورة.

ويشير الباحث سودينيلا الى أن الملجأ الذي تأوي اليه الفقمات، محكم تمام الاحكام وهو ما منع عالم التاريخ الطبيعي الفرنسي تيودور مونو في عشرينات القرن الماضي من تحديد مكانها الى أن تم اكتشافه في 1935 على يد أحد الباحثين الإسبان.

وفي تلك الآونة اطلق الباحثون على هذا الساحل ساحل الفقمات. ومنذ رحيل الإسبان في 1975 كانت القوات العسكرية المغربية وجبهة البوليساريو تتواجه عادة في هذه المنطقة. ومنذ توقيع معاهدة وقف اطلاق النار في ،1991 لم تتم ازالة الألغام الكثيرة المزروعة بكثافة هناك، وكان ذلك سبباً لموت عالم فرنسي في 1998 وصل الى هناك لدراسة الفقمات عن كثب. ومنذ ذلك الوقت تمت إقامة شبكة من الممرات التي لا يجب سلوك غيرها أثناء التواجد على الساحل.

ومن الناحية التاريخية، كثر تواجد الفقمة الراهب في البحر المتوسط وشرق الأطلسي وجنوب إسبانيا وحتى سواحل الرأس الأخضر الواقعة في غرب السنغال. واليوم، وباستثناء رؤوس الفقمة المتواجدة في منطقة الرأس الأبيض، لم يعد هناك سوى مجموعات متناثرة هنا وهناك في تركيا واليونان ومجموعة جزر الماديرا البرتغالية. ويبلغ مجموعة الفقمات كلها في هذه المناطق 500 رأس فقط علماً بأنها انقرضت كلياً من فرنسا وإسبانيا منذ خمسينات القرن العشرين.

ويقول حمدي مبارك رئيس مؤسسة اناجا الموريتانية، وهي هيئة غير حكومية، إن أعداد الفقمة الراهب هبطت من 300 الى 100 رأس خلال شهرين فقط، لأن المراكب والسفن لا ترحمها وتبالغ في اصطيادها. ويضيف أن كل يوم يمر يكون اسوأ من سابقه، فجيف الفقمات النافقة تشاهد يومياً على الشواطئ، أما المغارات فغدت فارغة تقريباً منها.

ويعتقد الباحثون في علوم البحار، أن السبب لا يعود وحده لعمليات الصيد غير الشرعي، بل لنباتات بحرية سامة عملت على استفحال الأمر، وكانت مؤسسة سي.بي.دي الإسبانية عملت بالتعاون مع مؤسسة أناجا الموريتانية لإنشاء محمية في 2001 تمتد على مسافة 6 كيلومترات في هذه المنطقة للسماح للفقمة الراهب بالتكاثر بشكل آمان في مغاراتها، ووضعت لذلك مراقبين على مدار اليوم.

ويقول مولاي هاي إن المؤسسة تراقب صغار الفقمات المولودة حديثاً على مدار اليوم بدءاً من لحظة الولادة وحتى تصل الى عمر الشهرين. ويتعرف الباحثون عادة على الصغار من البقعة البيضاء الموجودة في أسفل بطن الفقمة، وعند بلوغها الشهرين تصبح رمادية اللون وتختفي، ولوحظ قبل فترة ازدياد نسبة الولادة بين الفقمات الراهب حيث ازداد العدد من 30 الى 50 في السنة، ويرجح الباحثون سبب هذه الظاهرة الى دور المحمية التي اقيمت على الساحل. ويقول الباحث ميشيل سودينيلا إنه يأمل أن تتحول هذه المحمية خلال السنوات المقبلة الى مركز جاذب للفقمة الراهب خاصة أنها ستكون في مأمن من وصول الانسان إليها.