خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود الحكمة المثالية التي تناسب واقع السوريين في أيامهم الحالية، فبسبب الأوضاع التي تعيشها سوريا، ونتيجة ضعف السيولة المادية وارتفاع الأسعار على مختلف المستويات بين الفئات كافة اضطر العديد من السوريين لاتخاذ جانب الحيطة والحذر، فتقدمت إلى الواجهة عدد من المهن التي كانت على وشك الاندثار منها مهنة رتي الملابس .

وبجوار مسجد بني أمية الكبير في العاصمة السورية دمشق، يجلس الحاج خالد حليمة في محله على كرسيه القديم بصحبة مذياعه الخشبي منذ ثلاثة عقود وهو يحيك شقوق سراويل ومعاطف زبائنه، يقول الرتا حليمة: إن روح الحياة عادت تدب من جديد في هذه المهنة، لحاجتها إلى الصبر وبرودة الأعصاب، فهي جزء من مهنة الحياكة ورأسمالها إبرة وخيط .

ويضيف تعود أسباب تراجع سوق هذه المهنة في الفترة الماضية لوجود الألبسة الجاهزة صينية المنشأ التي أغرقت الأسواق بكثرة، لكن في الأشهر الأخيرة، وبعد أن لمس الناس عدم جودة هذه الملابس، وبسبب الأزمة التي تمر بها البلاد، باتوا يفضلون شراء قطعة أو قطعتين ذات جودة عالية على أن يحافظوا عليها لذلك عادت المهنة لتشهد إقبالاً على رتي الثياب، خصوصاً أن هناك أشخاصاً يرغبون بالاحتفاظ بمعطف أو فستان معين، وتكون هذه القطعة بحاجة إلى تجديد بعد أن يكونوا ارتدوها في مناسبة خاصة .

وعن نوعية الثياب التي يقوم بإصلاحها يشير حليمة إلى أن أغلبية الثياب تكون من الماركات المعروفة وسعرها باهظ، ما يجعل الزبون يرغب بالحفاظ عليها، لا سيما أنه بات من الصعب عليه شراؤها في زمننا هذا .

أما بالنسبة لأسعار الرتي فلكل قطعة سعرها، يقول: إن السعر ليس ثابتاً، بل يختلف إذا كان هناك ألوان كثيرة أو كان لون القماش سادة، كما أن لرتي القماش سعر يختلف عن رتي الجلد .

وينوه حليمة بأن الإنسان عندما يمر بظروف صعبة يجب عليه أن يدرك كيفة التعامل معها، والأهم من ذلك أن يتمكن من المحافظة على شكله الخارجي، ويتابع: هناك الكثير من ميسوري الحال ممن يشترون الألبسة باهظة الثمن إلا أنهم لا يظهرون بشكل لائق، فالمهم هو الذوق وحسن التصرف .

ومهنة الرتي تمر بعدة مراحل وهي يشرحها حليمة قائلاً: أولاً أقوم بسحب خيط من الخيوط العرضية الموجودة في القطعة الممزقة نفسها ويتم بناء خطوط عرضية فوق الثقب وتسمى هذه الخطوط سدى وهي تشكل الأساس الذي يغطي التمزق .

ثم تركب الطارة وهي حلقة خشبية تشد على منطقة التلف لتساعده على الإمساك بالقطعة بثبات ولإيضاح الخطوط الطولية والخطوط العرضية للقماش .

ويوضح حليمة أن سحب الخيط من قطعة القماش ذاتها يعطي اللون الأصلي نفسه وبالتالي لا يكون مكان الرتي واضحاً، فالرتي هو عملية صناعة قماش القطعة نفسه فوق الثقب لإخفائه، وهو البديل عن التخلص من قطع الملابس التي لا تزال بحالة جيدة وكل ما تحتاج إليه قليل من الإصلاح .

ويضيف في حالة عدم إمكانية سحب خيوط من القماش نفسه يمكن استعمال خيط خارجي لكن النتيجة النهائية لن تكون بجودة الرتي من الخيط الأصلي نفسه .

ويشير إلى أن الصعوبة في المهنة تزداد كلما كان خيط قطعة القماش رفيعاً، وبالتالي يحتاج إلى إبرة رفيعة وجهد أكبر لتعبئتها، غير أن الحرير كما يشير يعد من أصعب الأقمشة للرتي أما الخيوط الغليظة مثل خيوط السجاد فأسهلها، أيضاً القماش الذي يحتوي على عدة ألوان يتطلب استعمال إبر حياكة عديدة لسحب خطوط الطول والعرض مما يحتاج جهداً مضاعفاً مقارنة بالقماش السادة .

أما بالنسبة للأقمشة الصوفية كالسجاد مثلاً، فإنه يعتمد على تماثل الشكل الموجود عليها بحيث يصار إلى توصيل الخيوط المقطوعة والمفقودة بنفس ألوانها الموجودة ما يؤدي بالنهاية إلى استحداث الشكل من جديد الذي يطابق بالضرورة شكلها الأصلي . وأهم متطلبات المهنة، كما يرى حليمة، الهدوء والراحة النفسية والبال الطويل وحب المهنة، كما أن ثناء وامتنان الزبائن بعد إصلاح ملابسهم المفضلة يعدان بالنسبة له أهم من الأجر المادي، لأن رتي أو إصلاح تلف في قماش لا تتجاوز مساحته السنتيمتر ونصف السنتيمتر يحتاج لأكثر من 3 ساعات، ويقول: أحياناً أقضي وقتاً طويلاً باحثاً عن طريقة لأصلح قطعة معينة، خصوصاً أنه تأتيني أحياناً قطع ممزقة وبحاجة لطريقة فنية كي أصلحها، فهناك مثلاً معطف مصنوع من الجلد سعره تقريباً700 دولار وتمزق عند الكتف وأصلحه بطريقة جيدة وفنية، وعندما عاد الزبون ليأخذه فوجئ بأنني تمكنت من إصلاحه وعندها دفع مبلغاً يعادل ال100 دولار ثمن التكلفة، كان سعيداً لأنها عادت جديدة .

يقول الحاج حليمة عن أثر هذه المهنة عليه أحمد الله بأن هذه المصلحة ساعدتني على أن أنشئ عائلتي وربيت 4 أولاد وتمكنت من تعليمهم وهم الآن جميعهم يعملون واستطاع كل منهم أن يشق طريقه في الحياة، ما أجنيه من هذه المهنة لا يجمع لي ثروة ولكن أعيش مستور الحال ولا أحتاج أحداً واليوم عمري 75 عاماً ولست بحاجة لأحد حتى أولادي . في الختام همس الحاج حليمة قائلاً: رغم انتعاش هذه الصنعة بسبب الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها سوريا، إلا أنني أتمنى لو أن لي قدرة على رتي قلوب الناس الممزقة في هذا البلد .

زبائن

هديل محمود تلجأ منذ سنوات إلى الرتا لتصلح ملابسها، تقول: أنا إحدى الزبائن الدائمين لدى الحاج حليمة لكي أصلح ثيابي وثياب العائلة ذلك لأنني لا أستطيع شراء الجديدة منها، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، كما أن تكلفة إصلاح معطف الجلد على سبيل المثال تبقى أقل بكثير من ثمنه، فبذلك أوفر بعض النقود في هذا الشتاء القاسي لشراء الطعام والمستلزمات المنزلية اليومية ولا سيما أن العين بصيرة واليد قصيرة .

الحاج عامر سلامة بدوره يدأب على زيارة المحل لإصلاح ثيابه وثياب العائلة، يقول: أيام زمان نوعية الألبسة كانت أفضل بكثير، على سبيل المثال، الألبسة الصوفية كانت تستهلك لأشهر طويلة من دون حاجة لتغييرها لأن جودتها عالية أما اليوم فمهما كان اللباس الصوفي باهظ الثمن فلا نلبسه سوى موسم شتائي واحد ونحتاج لغيره في الموسم المقبل ما يضطرني للمجيء إلى الرتي كي يصلح ما يمكن إصلاحه وذلك كي أحافظ على اللباس لأطول وقت ممكن، ولا سيما أن أسعار الألبسة ارتفعت بشكل غريب فالكنزة الصوفية الجيدة يبدأ سعرها من ال2000 ليرة سورية (30دولاراً)، لا أدري هل قماشها مصنوع من الذهب مثلاً؟