إذا خرجت روح الإنسان من جسده تلقاها الملائكة، يبشرونها، فإما بشارة خير ونعيم مقيم، وإما بشارة سوء وعذاب مقيم، يتعرف المرء من اللحظة الأولى إلى ما هو مقبل عليه، من وجوه الملائكة التي تحضر لحظة احتضاره، من كلماتهم المشجعة والرحيمة أو عباراتهم الزاجرة وكلماتهم اللاعنة، يحبون لقاءه أو يكرهونه، فمن كان على خير أحب لقاء الله، ومن كان على شر كره لقاء الله من تلك اللحظة الفارقة .
وإذا خرجت الروح كان أول ما تؤخذ إليه هو رحلة إلى السماء، وفرق كبير بين رحلة روح وأخرى، فلا الأرواح تتشابه ولا هي تتساوى، ولا الرحلات أيضاً، فرق كبير بين رحلة الروح الطيبة، ورحلة الروح الخبيثة، فرق في رفقاء الرحلة، وفي معالم الرحلة، وفي مشاهدها، وفي كل قول يقال لها، وفي كل فعل يفعل لها أو بها، من الجسد الذي انحبست فيه عمر الإنسان من لحظة مولده إلى لحظة احتضاره، يأخذها ملك الموت، ويتلقفها منه الملائكة، باختلاف بين ملائكة يتلقفون الروح الطيب، وملائكة ينتزعون الروح الخبيث، ثم ينطلقون بها مباشرة إلى السماء، في أول رحلة لها بعد الموت، فروح تفتح لها الأبواب، وتعرج إلى السموات العلا، وروح يغلق من دونها أبواب السموات، ثم تعاد مرة أخرى حيث يدفن الجسد ليسأل الإنسان سؤال القبر .
أسئلة القبر
وما بين الأرض والسماء تفاصيل كثيرة، والرحلة بتفاصيلها مقصوصة علينا من النبي صلى الله عليه وسلم، فتفاصيلها من الغيب الذي لا يجوز لنا الحديث فيه بغير ما أنبأنا به رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه، وقد روي ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، قال فيقولون: ذلك حتى يعرج به إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى ذكره، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون: ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال من هذا؟، فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لن تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع فيقال: فيم كنت فيقول: في الإسلام، فيقال ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات من قبل الله فآمنا وصدقنا فيقال هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يراه فتفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال: انظر ما وقاك الله ثم تفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال: هذا مقعدك ثم يقال: على اليقين كنت وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ويجلس الرجل السوء في قبره ثم يقال فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال من هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون فتفرج له فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال انظر ما صرف الله عنك، ثم تفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال: هذا مقعدك، ثم يقال: على شك كنت وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يعذب)، (رواه ابن ماجة في سننه، وقال عنه الشيخ الألباني صحيح) .
الروح الطيبة
وقد جاء في حديث البراء بن عازب الذي يصف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم رحلة الإنسان من الموت إلى البرزخ قال والسياق عن الروح الطيبة: (حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج من قبلهم، فإذا أخذها (يعني ملك الموت) لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، وذلك قوله تعالى (توفته رسلنا وهم لا يفرطون)، ويخرج منها كأطيب نفخة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، (وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون)، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى) .
لعنات وأبواب موصدة
وتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الخبيثة التي نزعت من العبد الكافر أو الفاجر، فقال عنها بعد نزعها (فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منه كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟، فيقولون: هذا فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم يقول: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم إني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء، طرحا #187;حتى تقع في جسده#171;، ثم قرأ: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) فتعاد روحه إلى جسده . .) والحديث صحيح .