رسم القرآن الكريم للمسلم صورة أخلاقية وسلوكية مثالية، وبنى شخصيته على قيم وأخلاقيات رفيعة، حتى يحظى برضا خالقه، وثقة كل المتعاملين معه، فتستقيم حياته، ويؤدي رسالته، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
ليست مجرد عاطفة عارضة أو شفقة وقتية مرتبطة بموقف معين، إنما هي خلق ثابت أصله القرآن الكريم في النفس الإنسانية، واستهدف به الارتقاء بالسلوك الإنساني في التعامل مع البشر، ومع كل الكائنات الأخرى التي تشاركه الحياة في هذا الكون .
إنه خلق (الرحمة)، تلك القيمة العظيمة رفيعة القدر بالغة الأهمية، التي تتصدر المنظومة الأخلاقية الإسلامية وترتفع فوق قمتها، ولذلك كانت الهدف الأسمى والغاية العظمى للرسالة الإسلامية، كما جاء في القرآن الكريم في قول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" .
وقد تكررت كلمة "رحمة" في القرآن الكريم 79 مرة توزعت في معظم السور منها قوله تعالى: "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة"، وقوله تعالى: "وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة"، وتدور معانيها حول رحمة الله بعباده وذلك بإنزال النعم عليهم في الدنيا والآخرة، وفي مقدمتها إرسال الله سبحانه رسوله الخاتم "محمد" صلى الله عليه وسلم لهم بالهدى والرحمة، يقول تعالى: "فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة" ويقول: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" .

معان سامية

وقد نشر القرآن قيمة الرحمة بين الناس وجعلها لأصحاب الفضل خاصة الوالدين واجبة، فالله سبحانه وتعالى يقول: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"، وبشر الله بالرحمة كل من تاب وأناب "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله"، فرحمة الله قريبة من المحسنين، وهي لعباده المطيعين لأوامره سواء كانت أمراً أو نهياً، كما بيّن القرآن الكريم أن الرحمة هي أساس العلاقة بين الزوجين "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، وقد مدح الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخلقهم بالرحمة، فقال سبحانه: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" .
والرحمة كما يقول العالم الأزهري، د . أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر تحمل كل المعاني الجميلة، فهي سمة مميزة للمسلم تلازمه في كل أحواله، وتحكم جميع تصرفاته وسلوكه مع كل خلق الله، فهو يتعامل مع كل المحيطين به من إنسان وحيوان ونبات وجماد من خلالها، فالمسلم رحيم بأخيه المسلم، وهو يتلقى الرحمة من الآخرين، وهذا شأن المسلمين فهم متراحمون فيما بينهم، يعطف بعضهم على بعض، ويواسي كل منهم أخاه، فمشاعرهم متلاقية، وأحاسيسهم تنبض بالتعاون والتساند والتعاطف والتآلف، لا مكان للقسوة في قلوبهم، ولا تظهر الشدة أو الغلظة في محيطهم إلا مع أعدائهم من الكفار وفي ميدان الجهاد في سبيل الله .
وكانت الرحمة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفارقه لحظة من اللحظات، بل كانت طبيعته وفطرته، حتى مع المشركين من قومه فلم يدع عليهم بل دعا الله له بالهداية فقال: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، وعندما طلب منه أن يدعو على المشركين قال عبارته الشهيرة: "إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة"، ومن هنا كان وصف القرآن الكريم له بالرأفة الواسعة والرحمة الهائلة التي تحيط بالمؤمنين: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" .

موطن الأمل

ويضيف د . هاشم: ما أحوج مجتمعاتنا الإسلامية اليوم إلى خلق الرحمة الذي يأمرنا به خالقنا في كتابه الكريم، ويحثنا عليه رسول الإنسانية والرحمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، خاصة بعد أن سيطرت القسوة على سلوك كثير من مسلمي اليوم، واختفت أو تلاشت هذه القيمة العظيمة من حياتهم فنحن في أمس الحاجة إليها، لأن الرحماء من عباد الله هم موطن الأمل للناس، ومعقد الرجاء لهم، وحيث حلوا فعندهم مرافئ الرحمة للمتعبين، مَنْ طلبهم أجابوه، لأن الله تعالى جعل فيهم رحمته، أما القاسية قلوبهم فالناس في غنى عنهم، لا يرجوهم أحد، ولا ينتظر منهم فضل، فقد حل عليهم سخط الله، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي" .
والرحمة بالناس والشفقة عليهم لا تعني إشاعة الفوضى بأي حال من الأحوال، كما أنها لا تعني ترك الحبل على الغارب لمن يحتاجون إلى التأديب وتهذيب السلوك .
يقول د .هاشم: فضيلة الرحمة لا تعني أبداً ترك صغارنا من دون تأديب، فالتربية على الأخلاق الفاضلة والقيم الرفيعة واجب على المسلم مع كل صغاره، كما هي واجب على المعلم في المدرسة والجامعة، ولا يجوز أن يفرط في ذلك بأي حال من الأحوال، وإلا أصبح مقصراً في واجباته ولحقه الإثم . . وهنا تتضح حقيقة مهمة هي أن الرحمة لا تتعارض أبداً مع التأديب الواجب، الذي يمارسه الوالدان مع صغارهما، فنحن في حاجة إلى آباء يمارسون الحزم ويتخلقون بالرحمة، وبيوتنا في حاجة إلى حزم الآباء ورحمتهم، فالأب الحازم الرحيم يربي صغاره على أداء الواجبات والالتزام بالفضائل من دون عنف أو قهر .
كما أن دور التعليم في بلادنا العربية والإسلامية في حاجة إلى مربين ومعلمين تربويين، يغرسون في أولادنا القيم الأخلاقية الرفيعة ويهذبون سلوكياتهم من دون عنف أو قسوة .

لا رحمة مع هؤلاء

ومعاملة المجرمين والخارجين على القانون بالحزم اللازم وتطبيق القوانين الضابطة للسلوك ليسا خروجاً على خلق الرحمة كما قد يتوهم البعض، لأن التهاون مع هؤلاء المستهترين بحقوق الآخرين يشيع الفوضى السلوكية في المجتمع، ولذلك جاء القرآن الكريم هنا واضحاً وحازماً وقرر عقوبة رادعة لمن يرتكبون جريمة الزنى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رحمة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"، فهذه العقوبة المشددة التي قررتها شريعة الإسلام للزناة تستهدف تطهير المجتمع من جريمة أخلاقية تنشر بين أبنائه من الرجال والنساء كل المفاسد الأخلاقية .
وعقوبة جريمة السرقة لا تحمل هي الأخرى ظلماً ولا قسوة على هؤلاء الذين امتدت أياديهم إلى ثمرة جهد وكفاح غيرهم، والعقوبة المنصوص عليها في قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم . فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم" . . تحمل العقوبة العادلة للمجرمين المصرين على إجرامهم كما تجسد رحمة الله الواسعة بالتائبين منهم .
وعقوبة القصاص هي قمة العدل الإلهي، فمن قتل عامداً متعمداً قاصداً إزهاق روح غيره يقتل، وفي هذه العقوبة رحمة بالمجتمع كله، وبغيرها سينتشر القتل وتعم الفوضى ويشيع الفساد ويكثر الثأر وتسيطر الرغبة في الانتقام على نفوس أهالي وأسر الضحايا الذين أزهقت أرواحهم من دون ذنب اقترفوه .

العدل الإلهي

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية د .محمد كمال إمام يؤكد أن تطبيق العقوبات التي نص عليها القرآن الكريم لمواجهة الجرائم والانحرافات بكل أشكالها يستهدف حماية المجتمع من كل ما يخل بأمنه وسلامة أفراده، كما يستهدف تحقيق عدل الله بين الناس جميعاً لا فرق بين رئيس ومرؤوس، ولا غني وفقير، ولا سيد وخادم، فالكل أمام عدل الله سواء .
ويضيف: هذه العقوبات التي نص عليها القرآن يستهدف بها حماية المجتمع ومواجهة الخارجين على السلوك القويم، ولأنها تحقق العقاب العادل الرادع، فنحن في أمس الحاجة إليها خاصة في هذا العصر الذي شاعت فيه الجرائم والانحرافات وتعددت التجاوزات التي تضر بالمجتمع كله، وليس في ذلك قسوة، فالمشرع هو الخالق، وهو أرحم الراحمين والذي شرع العقوبات العادلة لصيانة نفوس الناس، وحماية أموالهم وأعراضهم ولو ترك الناس من دون حساب على جرائمهم وأخطائهم لعمت الفوضى، ولساد الفساد في الأرض .
ما أحوجنا إلى خلق الرحمة في كل حياتنا . . وما أحوج مجتمعاتنا إلى قوانين جادة ورادعة ترحمنا من جرائم وانحرافات الخارجين على قوانين العدالة الإلهية .