لا يكتفي الإسلام في إقرار حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بأمور العقيدة والحقوق الفكرية والثقافية أو الجوانب المادية، بل يتعدى كل ذلك ليربط المسلم بغير المسلم المسالم، خاصة إذا كان من أهل الكتاب بروابط إنسانية واجتماعية عديدة، تجسد تعاليم الإسلام وتوجيهاته في اعتماد كل ما يحقق الألفة والمودة والمحبة والتواصل الإنساني والاجتماعي مع المخالفين في العقيدة.

يحظى البعد الإنساني والاجتماعي في علاقة المسلم بغير المسلم - كما يقول شيخ الأزهر د. أحمد الطيب - بأهمية بالغة، حيث يحرص الإسلام على دمج المخالفين في العقيدة في المجتمع، وتحقيق أكبر قدر من الانصهار والتعاون والترابط بينهم وبين المسلمين، مما يسهم في تقوية المجتمع.. وتوثيق الروابط الإنسانية والاجتماعية بين أفراده.

وقد كفل الإسلام لغير المسلم الذي يعيش في ديار الإسلام أولا (حق الجوار)، فالجار غير المسلم له حقوق الجار المسلم، وينبغي الوفاء بتلك الحقوق حتى ينال حقه من البر الذي يؤدي إلى مزيد من الروابط الإنسانية بينه وبين المسلم، فيحدث الانصهار الاجتماعي، الذي ينتج في النهاية مجتمعاً مترابطا قويا قادرا على مواجهة كل التحديات. من هنا كانت نصيحة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في خطابه خلال لقائه التاريخي بقداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان على أرض الإمارات الطيبة منذ شهور قليلة للمسلمين في الشرق، هي الاستمرار في احتضان إخوانهم من المواطنين المسيحيين في كل مكان؛ فهم شركاؤهم في الوطن، وإخوتهم الذين يذكرنا قرآننا الكريم بأنهم أقرب الناس مودة إلينا، ويعلل القرآن هذه المودة بقوله تعالى: «ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون».

قلوب مملوءة خيراً

ويسجل شيخ الأزهر (شهادة تسامح تاريخية) فيقول: «المسيحيون قلوبهم مملوءة خيراً ورأفة ورحمة، والله تعالى هو الذي جعل في قلوبهم هذه الخصال الحميدة، وهذا ما يسجله القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الحديد:«وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة».

ويضيف الإمام الأكبر د. أحمد الطيب: يجب علينا نحن المسلمين ألا ننسى أن المسيحية احتضنت الإسلام، حين كان دينا وليدا، وحمته وذلك حين أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، المستضعفين من أصحابه، وهم أكثر تابعيه حين اشتد عليهم أذى قريش وقال لهم: «اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم أحد في جواره»، وقد استقبلهم هذا الملك المسيحي في دولته المسيحية، وأكرمهم وحماهم من قريش، ثم أعادهم إلى المدينة المنورة بعد أن اشتد عود الإسلام، واستوى على سوقه. وبروح يملؤها التسامح.. يخاطب شيخ الأزهر الإخوة المسيحيين في الشرق ويقول: أنتم جزء من هذه الأمة، وأنتم مواطنون. ولستم أقلية، وأرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الأقلية الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، واعلموا أن وحدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها المؤامرات التي لا تفرق بين مسيحي ومسلم.

كما يوجه شيخ الأزهر نصيحته للمسلمين في الغرب.. ويقول: «اندمجوا في مجتمعاتكم اندماجا إيجابيا، تحافظون فيه على هويتكم الدينية كما تحافظون على احترام قوانين هذه المجتمعات، واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤولية شرعية، وأمانة دينية في رقابكم تسألون عنها أمام الله تعالى، وإن صدر من القوانين ما يفرض عليكم مخالفة شريعتكم فاتبعوا الطرق القانونية، فإنها كفيلة برد الحقوق إليكم وحماية حريتكم». ويوجه شيخ الأزهر رسالة لشباب العالم في الغرب والشرق فيقول: «المستقبل يبتسم لكم، وعليكم أن تتسلحوا بالأخلاق وبالعلم والمعرفة، وعليكم أن تجعلوا من (وثيقة الأخوة الإنسانية) دستور مبادئ لحياتكم، وضماناً لمستقبل خال من الصراع والآلام، اجعلوا منها ميثاقا بانيا للخير هادما للشر، اجعلوا منها نهاية للكراهية.. علموا أبناءكم هذه الوثيقة فهي امتداد لوثيقة المدينة المنورة، ولموعظة الجبل، وهي حارسة للمشتركات الإنسانية والمبادئ الأخلاقية».

الإسلام.. وثقافة السلام

الدكتور شوقي علام مفتي مصر، يؤكد أن الإسلام جاء لنشر ثقافة السلام في ربوع العالم، وتعاليمه تنشر المحبة والألفة والتعاون بين البشر جميعا، فالسلام هو جوهر رسالة الإسلام حيث يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة»، فالسلم اسم من أسماء الإسلام، وهو دين الرحمة ودين الأمن ودين السلام، فقد جاء ديننا الحنيف ليرفع الظلم والعدوان عن المستضعفين، وليعمم مكارم الأخلاق، وينشر الحق والعدل بين الناس، وينقل البشرية من الجور والظلم إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، وقد وصف الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بكونه رحمة للعالمين، بقوله: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

ويوضح مفتي مصر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما هاجر من مكة إلى المدينة خالط جميع الأطياف بالمدينة وثنيين وكتابيين من يهود ومسيحيين، وزاد عليهم المنافقين الذين دخلوا في الإسلام سراً ولكنهم كانوا يخفون العداوة للرسول، صلى الله عليه وسلم، بل للإسلام ذاته، وزاد عليهم الأعراب بجهلهم وخشونتهم مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يدعو إلا إلى السلم والرحمة والعفو والصفح الجميل.. ولما فتح الله لرسوله، صلى الله عليه وسلم، وتمكن ممن آذاه وأصحابه الكرام، كان شعاره: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

الرسول القدوة

ويضيف: كل منصف - مسلماً كان أو غير مسلم - قرأ القرآن الكريم وطالع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأخلاقه الشريفة، في معاملة غير المسلمين سلمًا وحرباً ومعاملة وتجارة وبيعًا وشراء، سيعلم علماً يقينياً لا شك فيه أن الإسلام لم يأتِ إلا لنشر السلم والسلام والأمن والرخاء بين الناس أجمعين، ورسول الأمين صلى الله عليه وسلم قد مكث ثلاث عشرة سنة كاملة في مكة يدعو إلى توحيد الله بالسلم والأمن والأمان، لم يستعمل عنفاً ولا سلاحا، ولم يروع أحدا.. ولما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقويت شوكته وأصبح له دولة وجند وجيش وسلاح، فلم يستعمل هذا كله إلا في دفع العدوان فقط ولم يكن هذا باجتهاد شخصي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو باجتهاد أحد من أصحابه، بل كان بوحي وإذن من الله تعالى في قرآن يتلى إلى قيام الساعة: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير»، فقد جاءت الآية الكريمة بالإذن الذي يدل على المنع قبل ذلك، وحدد الله تعالى مجال هذا الإذن بحالة الدفاع عن النفس، ودفع العدوان فقط بقوله تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».

ولذلك لا يجوز أن يدعي مدع أن الله تعالى فرض القتال لنشر الإسلام، فهذه فرية قد تصدى لتفنيدها كثير من الكتاب والباحثين المنصفين من المسلمين وغير المسلمين، وما كان لهذا الدين أن يحقق هذا الرسوخ والانتشار الواسع خارج نطاق الجزيرة العربية إلا بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمعاملة الطيبة، والقدوة الصالحة.

لا عنف ولا إكراه

وهنا يشدد د. علام على أن الإسلام لا يعرف إلا (العقل والحكمة) سبيلا لنشر الأفكار والعقائد، وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ في قول الحق سبحانه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي»، إلى جانب مبدأ (الحرية في اختيار العقيدة) حيث يقول سبحانه وتعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، وكل هذه النصوص تؤكد أن الإسلام دعوة سلمية تحترم عقائد الآخرين، وعلاقته بهم تقوم على المحبة والسلم لا على العنف والإكراه.

وينتهي مفتي مصر إلى تفنيد الأكاذيب التي روجت لها جماعات الضلال في الشرق والغرب، حيث صوروا بجهلهم وغبائهم أن العلاقة بين المسلم وغير المسلم تقوم على الكراهية والبغضاء والعداوة لمجرد اختلاف الدين والعقيدة، مع أن الله تعالى جعل هذا الاختلاف سبباً للتعارف والتعاون والتكامل بين أفراد الجنس البشري على اختلاف عقائدهم وألوانهم فقال تعالى:«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».