إن كنت قادماً إلى سلطنة عمان أو تقيم فيها ولم تقم بهذه الخطوة بعد، فاعلم أنك فوّت على نفسك متعة كبيرة ستحصل عليها بمجرد زيارتك لولاية الرستاق، التي تجمع جمال الطبيعة والتاريخ الغني. وعند زيارتك لقلعتها الشهيرة وسوقها القديم لا تنس أن تعرج على عين الكسفة الشهير لتأخذ حماماً كبريتياً ساخناً وتستمتع بمياه لا تتوفر في أي مكان.
ولاية الرستاق الجميلة بعيونها المائية وأفلاجها التقليدية وسوقها الأثري الشهير، تقف شامخة فخورة بتاريخها العريق وإرثها الغني وجمالها الذي يسحر العيون، فهي ولاية تجمع الكثير من المميزات التي تجعلها فريدة، ليس فقط على مستوى ولايات محافظة جنوب الباطنة في الجزء الشمالي من عُمان فحسب، وإنما على مستوى السلطنة بواحات النخيل الخضراء الممتدة وعشرات الأفلاج القديمة التقليدية التي تجري كأنهر صغيرة وتمتد لآلاف الأمتار موزعة المياه في نظام هندسي لا مثيل له.
تاريخياً لم تتخل الرستاق يوماً عن كونها مدينة أساسية ومركزية لما حولها، فهي التي يعكس اسمها معنى القوة كانت عاصمة للدولة في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، وفي عهد مؤسس الدولة البوسعيدية الإمام أحمد بن سعيد. وفي هذه المدينة كانت بداية حكم دولة اليعاربة في عمان، حين تولى الإمام ناصر بن مرشد في عام 1624 م متخذاً منها عاصمة لحكمه.
وينتشر في الرستاق عدد من الحرف والصناعات والفنون التقليدية، من بينها تربية النحل، والتبسيل، والرعي، وتجديد البنادق. ومن الصناعات صناعة الخناجر، والسعفيات، وصناعة الحلويات. ومن فنونها الرزحة والعازي والهمبل والتهلولة وزفة الكيذا والدان دان، وغيرها من الفنون.
تشتهر الرستاق بعدد من المواقع السياحية المهمة التي تجذب السياح إليها ومن مميزاتها عيونها المائية الشهيرة، التي لا مثيل لها في أي ولاية أخرى، من أبرزها «عين الكسفة» وهي عبارة عن عيون لمياه طبيعية ساخنة تصل درجة حرارتها 45 درجة مئوية ثابتة، تخرج منها المياه الساخنة في عدة جداول لسقاية البساتين، وتشتهر مياه عين الكسفة بكونها علاجاً طبيعياً لأمراض الروماتيزم نظراً لطبيعتها «الكبريتية»، وكذلك للأمراض الجلدية، وتقع على مسافة كم من وسط الولاية.
ويرجع تاريخ عين الكسفة إلى مدة موغلة في القِدم ويحكى أنها تعرضت لمحاولة طمر من قبل الوالي العباسي محمد بن نور أيام الدولة العباسية، والذي عرف بمحاولته تدمير المنابع المائية والأفلاج في عمان. ولذلك عرف فيما بعد عند العمانيين باسم «محمد بن بور»، إذ أمر بإلقاء الصوف والشوك فيها ثم طمرها بالتراب ولكن بعد مدة انبثقت العين من جانب آخر وهو المكان المشاهد حالياً، ويقع المكان القديم بجانب العين الحالية.
ومن العيون الشهيرة أيضاً في الولاية عين «الحويت» التي تقع بوادي بني عوف، وعين «الخضراء» الواقعة في خضراء بني غافر بوادي السحتن، وهي عبارة عن نبع مائي تحيط بها أشجار النخيل. إلى جانب عين «الزرقاء» بنيابة الحوقين، وعدد من شلالات المياه بعضها في نيابة الحوقين والأخرى في وادي السحتن.
وليس فقط العيون هي ما يميز طبيعة الرستاق، إذ أنها تضم عدداً من أشهر الأودية العمانية التي تتميز بجمالها الخلاب ومن أهمها أودية بني عوف، والسيابيين وبني غافر، والسحتن، وبني حرّاص وغيرها.
أما الأفلاج فلها قصة أخرى، وتضم الرستاق عشرات الأفلاج التي توزع المياه على البساتين بنظام فريد وبعضها موغل بالقدم ومن أهمها، فلج الميسر الذي سجلته اليونيسكو كواحد من 4 أفلاج في سجل التراث العالمي، ويقع في منطقة العلاية، وكذلك الفلج الذي ينبع من عين الكسفة ويسمى فلج الحمام، وهناك أفلاج الصائغي، وأبوثعلب، والمحدث والمقام وغيرها.
لطالما شكلت مدينة الرستاق العصب التجاري والسياحي والتاريخي للولاية، وتحوي بداخلها عدداً من الشواهد التاريخية والسياحية والتجارية، فقلعة الرستاق الشهيرة تعد من أبرز القلاع في عُمان، ولعبت دوراً مميزاً عبر التاريخ خلال قرون عديدة خلت، ويعود بناؤها إلى ما قبل الإسلام، وبجانب القلعة يقع سوق الرستاق التاريخي، أحد أشهر أسواق السلطنة القديمة، والذي كان يدعى سابقاً سوق «أبو ثمانية» ويشهد هذا السوق نشاطاً تجارياً لا يتوقف منذ شروق الشمس وحتى غروبها، ويقصده سكان الولاية والولايات المحيطة بهم فيأتي أهل الجبل حاملين معهم الفواكه والخضروات ويرحلون محملين بالتمور والحبوب والأسماك وغيرها.
وأطلق على سوق الرستاق اسم «أبو ثمانية» لتميزه بوجود 8 أبواب له، لكل باب منها اسم وهي: الصايغي «الغربي»، والسفائل ويقصد به سفائل الرستاق، وباب القلعة، والشرقي ويعرف بباب العلاية، وكل هذه الأبواب الأربعة تقابلها أبواب أخرى ما يجعل عددها 8 أبواب ومن هنا جاءت تسمية «أبو ثمانية».
ومركز السوق خصص للبيع بالجملة، وهو عبارة عن أجنحة ويقع داخل الأبواب الأربعة وهو مسقوف بالكامل وكل سكة بها عدد من الدكاكين وهذه السكك ال4 تلتقي في موقع مكشوف من أجل الإنارة، وهناك دكاكين أخرى خارج المركز بالجانب الشمالي الغربي، تتركز على الحائط أو سور السوق وأغلب هذه الدكاكين للبيع بالتجزئة.