أتاح الإسلام للمرأة ممارسة الحق السياسي وبيعة النساء للنبي الكريم بعد فتح مكة سنة 8 ه/ 630م وهي وثيقة الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام، وشاهد على دورها في مجتمع العهد النبوي . وممارستها العملية لهذا الحق، تستمد مقوماتها التشريعية من القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم .
وقد جرى حوار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وهند بنت عتبة سجله لنا ابن جرير الطبري، حيث قال عن بيعة النساء ما يلي: فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعن قال: بايعنني على ألا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن، فقالت هند: والله إن كنت لأصيب مال أبي سفيان الهنة بعض الهنة، وما كنت أدري أكان ذلك حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، وعندئذ قال رسول الله: وإنك لهند بنت عتبة قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك .
وتابع الرسول بيعة النساء قائلاً لهن: ولا تزنين، فقالت هند: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام ولا تقتلن أولادكن قالت هند: قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارا . فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق، ثم تابع الرسول الكريم البيعة قائلاً: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ثم قال الرسول الكريم: ولا يعصينني قالت: في معروف .
سجلت بيعة النساء وما دار فيها من حوار صريح بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين النساء دستورا عقديا وسياسيا على مستوى رفيع من الممارسة الفعلية لحق المرأة السياسي، وقد حوت البيعة ارتباطا وثيقا بين الانتقال من سلطة دولة الشرك والوثنية إلى سلطة دار الإسلام، فهي عمل سياسي وديني تَرتب عليه كيان سياسي سليم للمجتمع الإسلامي .
وما تم في بيعة النساء تم أيضا في بيعة العقبة الأولى قبل هجرة الرسول الكريم إلى يثرب مع أهل الأوس والخزرج، على الأسس نفسها التي تمت عليها بيعة النساء .
والمنهج الإسلامي يحفل بتوضيح وبيان أن ما يكلف به الرجل، تكلف به المرأة من مسؤوليات في ميدان العمل السياسي، ولا فرق بينهما في الجزاء، فيقول سبحانه تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقَاتَلُوا وقُتِلُوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار .
ويذكر لنا التاريخ ما حدث في العام الخامس من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرجت الهجرة الأولى من مسلمي مكة إلى الحبشة، بعد أن اشتد أذى كفار مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من المؤمنين، وكان على رأس المهاجرات إلى الحبشة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجها عثمان بن عفان، وغيرها كثير، ومن أشهرهن أم سلمة .
ولم يقف نشاط المرأة السياسي عند هذه البيعة، بل امتد إلى بيعة العقبة الثانية التي كانت إيذانا بهجرة الرسول الكريم من مكة إلى المدينة، وذلك على أساس قيام أصحاب تلك البيعة من أهل يثرب بحماية النبي صلى الله عليه وسلم فقد شارك في هذه البيعة الثانية، في إجراء خطواتها التنفيذية، وما أحاط بها من أخطار، المرأة مع الرجل .
ولم يقف دور المرأة على المبايعة بالقول، بل شاركت بالفعل في ميدان الجهاد لتثبيت مبادئ الدعوة .
ونشير هنا إلى موقف أم المؤمنين أم سلمة حين خرجت مع الرسول الكريم في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة، ومشورتها الحكيمة، التي أتت أكلها سريعا وانتهى الموقف على خير، مؤكداً هداية الله سبحانه وتعالى للمرأة في جليل الأمور وأشدها خطورة، على نحو ما حدث في صلح الحديبية .
* أستاذة جامعية وعالمة أزهرية