أثارت الصور التي نشرها أحد شباب محافظة المنوفية في مصر على مواقع التواصل الاجتماعي بجوار كلب مذبوح وكتب عليها «عايشينها بالإجرام.. كلب فدا الشيطان»، ردود فعل غاضبة من رواد «السوشيال ميديا» والمواطنين، مطالبين بالتحقيق في الواقعة وضبط الشاب، وتوقيع العقاب الرادع عليه.
وهذه الواقعة المؤسفة تطرح العديد من التساؤلات المهمة عن غياب ثقافة الرفق بالحيوان بين الأطفال والشباب، حيث تتعدد وتتنوع كل صور العنف والقسوة في التعامل مع الحيوانات بكل أصنافها، رغم تعاليم ديننا الواضحة بالرفق بالحيوان والتعامل معه بأسلوب رحيم، حتى لو كان غير مفيد للمجتمع، وضارّاً بالبيئة والناس.
طرحنا قضية الرفق بالحيوان على عدد من علماء الإسلام والتربية والطب النفسي؛ لنقف على أسباب تنامي العنف ضد الحيوانات في بلادنا العربية، مع أن التعامل الرحيم مع الحيوان هو إحدى صور التحضر والرقي في عالم اليوم.

يؤكد الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن سلوك هذا الشاب مدان في نظر شريعتنا الإسلامية، واستنكار الناس لما فعل يؤكد أن مجتمعاتنا لا تزال بخير، وأن المشاعر الإنسانية والأخلاق الإسلامية الرفيعة لا تزال متأصلة في نفوس الناس، وهذا يعطينا أملاً كبيراً في الإصلاح ومواجهة كل صور الإسفاف السلوكي التي تحيط بنا من كل جانب.

انتشار القسوة

ويضيف: علينا أن نعترف بأن القسوة أصبحت تسيطر على حياتنا بشكل عام، وهي لا تقف عند التعامل العنيف مع الحيوان لكنها تظهر بوضوح في تعامل الإنسان مع الإنسان، حيث تتعدد المشاجرات اليومية بين الناس في الأسواق وفي الشوارع وإشارات المرور وفي دواوين العمل لأسباب تافهة كما انتشر العنف داخل محيط الأسرة بين الأزواج والزوجات وبين الآباء والأبناء وبين الأشقاء، ووصل إلى درجة إزهاق الأرواح طمعاً في حفنة من المال أو أمتار من الأراضي التي سيتركها الإنسان ويرحل إن آجلاً أو عاجلاً.
ويرى العالم الأزهري أن السبب في انتشار هذا العنف من الإنسان ضد الإنسان، ومن الإنسان ضد الحيوان، ومن الإنسان ضد عناصر البيئة التي أنعم الله علينا بها من ماء ونبات وهواء وثروات طبيعية؛ يؤكد أن التربية في بلادنا العربية لا تسير في الطريق الصحيح الذي رسمه الإسلام، حيث يدعم ديننا كل سلوك حضاري من جانب الإنسان، ويرفض ويدين كل صور العنف والقسوة، ويحرص كل الحرص على نشر خلق الرفق والرحمة بين الناس، ولأن الإنسان هو المخلوق الذي منحه الله عقلاً وتمييزاً واختياراً، فهو مطالب بترسيخ قيمتي الرحمة والرفق في تعاملاته اليومية مع أخيه الإنسان، وفي تعامله مع الحيوان والنبات والجماد، وكل ما حبانا الله به في هذا الكون الفسيح.

نعمة كبرى

ويؤكد وكيل الأزهر الأسبق أن الإسلام يرفض ويدين التعامل مع الحيوانات على أنها مخلوقات دونية يحق للإنسان العبث واللهو بها وممارسة العنف معها كما يحلو له، بل غرس ديننا قيمة الرحمة بالحيوان في نفس المسلم من خلال النصوص القرآنية التي جاءت لتخبرنا أن الحيوانات نعمة كبرى أنعم الله بها على الإنسان، ولذلك فإن واجب الإنسان العاقل الحريص على إرضاء ربه أن يحسن التعامل مع هذه النعمة وأن يشكر ربه عليها، ولا يقسو عليها ويعذبها بغير حق، وأن يربي أطفاله على الرحمة بهذه المخلوقات، فالكلب الذي ذبح من دون وجه حق هو أوفى مخلوق للإنسان، وهناك قصص وفاء كلاب مع أصحابها تضاعف من يقيننا بأن الله -سبحانه- قد خلق كل عناصر الكون لكي تتكامل وتسخر جميعها لخدمة الإنسان الذي كرمه الله وأعطاه نعمة العقل وأحاطه بسياج من الحماية والتكريم.

ويرى العالم الأزهري في الالتزام بتعاليم القرآن وتوجيهات الرسول العظيم في الرفق بالحيوان والتعامل الرحيم معه شكراً لله على تسخيره لخدمتنا وتذليل مصاعب الحياة لنا.. وعلينا أن نتأمل قول الحق سبحانه: «الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون. ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون. ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون».

سلوك يدينه الإسلام

د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يؤكد من جانبه أن الإسلام لا يقر سلوك هذا الشاب بل يدينه ويقر عقوبة تعزيرية عليه حسب جرمه؛ حتى لا يشيع العنف في المجتمع، ويقول: الإسلام يقر قتل الكلاب الضالة إذا تحولت إلى وسيلة ضرر بالإنسان والمجتمع والبيئة وفي غير ذلك ينبغي أن تترك وشأنها، فديننا دين رحمة ورفق ولا يمكن أن يقر سلوكاً قاسياً أو عنيفاً مع حيوان مسالم لا ضرر من وجوده على المجتمع، ومظاهر الرحمة والإحسان للحيوان في شريعتنا الإسلامية كثيرة ومتنوعة، وتتجسد في مواقف كثيرة حث عليها الإسلام أبرزها: التعامل الرحيم مع الحيوان، وعدم القسوة عليه أو تعذيبه، وقد وردت في ذلك العديد من التوجيهات والوصايا النبوية الكريمة، التي تحث على الرحمة وتحذر من القسوة.

ويحث د. هاشم كل المسلمين على استخدام الحيوان فيما خلق له، وعدم تحميله أكثر من طاقته، فكل حيوان يجب أن يستخدم فيما خلق له، فما خلق للحرث أو لدر اللبن والنسل لا ينبغي أن يستخدم للركوب، وهكذا، وقد جاء العديد من التوجيهات والوصايا النبوية التي ترشد المسلم إلى ضرورة استخدام الحيوان في الغرض الذي خلق له.

ويضيف: لا شك أن مظاهر الرفق والرحمة بالحيوان في بلادنا العربية كثيرة ومن بينها إطعامه والعناية به وعدم ضربه، وذبحه برفق إذا كان مما يذبح ويؤكل لحمه، ولا يجوز بأي حال تعذيبه أثناء الذبح، كما نرى في سلوك بعض الهمجيين الذين يفتقدون الرفق والرحمة.

ويرى د. هاشم أن التربية الإسلامية الواعية تحد من هذا السلوك العنيف، ومن المهم هنا أن ننقل للناس -خاصة الشباب المستهتر بقيم الدين- تعاليم الإسلام الواضحة والحاسمة التي تجرم السلوك العنيف مع الحيوان، وتحض على الرفق به، ويقول: لم يقف أمر العناية بحقوق الحيوان في الإسلام عند الحث على الرحمة والرفق به، بل جاءت تحذيرات نبوية كريمة تتوعد كل من يسيء التعامل معه ويهدر حقوقه؛ حيث علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الإساءة للحيوان والقسوة عليه أو تعذيبه بأي شكل من الأشكال من السلوكيات التي تحبط أعمال الإنسان وتعرضه لغضب الله وعقابه.

ثقافة مجتمع

الخبير الاجتماعي د. محمد نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، يؤكد أن السلوك العنيف في التعامل مع الحيوان «ثقافة مجتمع» ويقول: للأسف نحن نربي صغارنا على ممارسة العنف ضد الحيوانات بجميع أشكالها، من خلال سلوكيات الكبار مع الحيوانات، ومن خلال تحريض الصغار على العبث بها، ومن المشاهد المألوفة في كثير من البلاد العربية ترك الأطفال يعبثون بالحيوانات خاصة الخرفان والماعز التي نضحي بها في عيد الأضحى المبارك، كما نترك بعض البسطاء من الناس يعتدون على الحيوانات التي هي مصدر رزقهم وتجر عرباتهم، من دون أن نوجههم إلى أن هذا السلوك مدان إسلامياً، ويجلب عليهم غضب الله وعقابه، كما أنه مدان إنسانياً فلا يوجد إنسان طبيعي المشاعر والسلوك يمارس العنف ضد الحيوان بهذا الشكل.

انتشار هذه المشاهد المؤسفة في بلادنا العربية وتحولها إلى سلوك طبيعي في حياة بعض الناس هو الذي يشجع على مزيد من العنف ضد هذه المخلوقات التي غرس الله الرحمة بها في نفس كل إنسان طبيعي، وإلا ما رأينا هذا الاستنكار الشديد لسلوك هذا الشاب الذي ذبح كلباً ووقف يمزح إلى جوار جثته، فالحس الإسلامي والإنساني يتحرك داخل الإنسان، حتى ولو ابتعد أو انشغل عن تعاليم دينه.

وهنا يطلب عالم الاجتماع الأزهري من كل الدعاة وخطباء المساجد وكل المتحدثين عن الإسلام في الفضائيات أن يركزوا على نشر السلوك الإسلامي الراقي الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم في تعاملاته اليومية.. ويقول: على علماء الإسلام أن ينشروا بين الجماهير العربية ثقافة الرفق والرحمة بالإنسان والحيوان والنبات وكل عناصر الكون، خاصة أن صور العنف ضد الحيوان ومشاهد إفساد البيئة تتكرر كثيراً وتصبح مشاهد يومية في بلادنا العربية.

حقوق الحيوان

المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يستنكر ما فعله الشاب ضد الكلب والتمثيل بجثته، ويؤكد أن هذا السلوك مدان تماماً واستنكاره على مواقع التواصل الاجتماعي مؤشر طيب ينبغي أن ندعمه، حتى ولو كان دافعه إنسانياً بحتاً بعيداً عن التوجهات الدينية.

وهنا يؤكد د. زقزوق ضرورة نشر ثقافة الحقوق بين أطفالنا وشبابنا، بمعنى أن يتعرف الأطفال والشباب من خلال مناهج التربية والتعليم في المدارس والجامعات على جملة الحقوق الإسلامية، سواء أكانت حقوقاً للإنسان أو الحيوان أو مختلف عناصر الكون الذي نعيش فيه؛ لأن الإساءات البشرية للبيئة وكل ما فيها من حيوان ونبات وجماد وعناصر لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونها متكررة ومتزايدة وتحتاج إلى وقفة حماية للمجتمعات العربية ومحاصرة لصور ومشاهد العنف والسلوكيات الخاطئة التي تتزايد فيها، وتهدد أمنها وسلامتها الاجتماعية.
ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للحيوان تؤكد عظمة هذه الشريعة وتفوقها على كل ما قررته الأنظمة الحديثة، حيث وفرت للحيوان رعاية تفوق كثيراً ما تقوم به أو تتطلع إليه جمعيات الرفق بالحيوان في الدول الغربية، والحيوان في فلسفة الإسلام كائن حي خلقه الله الذي خلق الإنسان وخلق كل شيء في هذا الكون، وديننا له قيمه وتعاليمه الراقية في تعامل الإنسان مع الحيوان والجماد، فلا تجوز إساءة استخدام أي شيء من مخلوقات الله.