ووسط زحمة الأفكار والاقتراحات والمطالبات نسي البعض أو تناسى أن ديننا الإسلامي العظيم جاء بمنظومة كاملة من الحقوق توفر لأطفالنا كل وسائل الرعاية والحماية، وتضمن لهم حياة مستقرة آمنة، وتعدهم إعدادا عقليا ونفسيا وجسمانيا لكي يكونوا أعضاء صالحين في مجتمعاتهم.
القسوة تنتج إنساناً يخاف ولا يستحي
حتى لا يتوقف دورنا على الانبهار بمواثيق حماية الطفل الغربية، ويكون كل همنا تسول الأفكار والاقتراحات والضمانات من هنا أو هناك. نقدم من خلال هذا الباب ما قررته شريعة الإسلام من حقوق للطفل، تفوقت بها على كل النظم والتشريعات والقوانين ولم يعد مطلوب منا إلا الالتزام بهذه الحقوق والحرص عليها لرعاية أطفالنا وتوفير كل مقومات الحياة الكريمة لهم.
من أبرز حقوق الطفل التي قررتها شريعة الإسلام حقه في المعاملة الحانية التي تحببه في الحياة وتجعله يحب كل من حوله ويتعاطف معهم ويحرص على مساعدتهم، ولا يقسو على أحد منهم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا أعلى وقدوة طيبة لكل الكبار من آباء وغير آباء في التعامل برفق مع الأطفال، وهناك العديد من الروايات التي تؤكد معاملته الحانية للأطفال، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه كان يصلي وهو حامل أمامه زينب بنت ابنته، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها وكان يمشي على أربع (أي يمشي على يديه وركبتيه) ومن فوق ظهره الحسن والحسين.
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا: من المعاني التي يغفل عنها كثير من الناس في فقه التربية معنى الرفق وتقع هذه الغفلة من أمهات وآباء، وتقع من معلمين يتولون تربية الناشئة في المدارس ومعاهد العلم، وتقع من كثيرين من أرباب المهن والحرف والصناعات الصغيرة الذين لا يقل دورهم في التربية عن دور الآباء والمعلمين، فيحدث من الغفلة عن الرفق في التربية شر كبير يستمر أثره السيئ في المجتمع إلى مدى غير محدود.
أصل إسلامي
والرفق كما يؤكد د. العوا أصل إسلامي عظيم، وهو مبدأ عام يدخل في كل شيء، ولا يقتصر على التعامل بين الكبار المربين والصغار الذين يربونهم، بل يتسع ليشمل الناس جميعا، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث صحيح: إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره ويقول: من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم الرفق فقد حرم حظه من الخير ومن معاني قوله صلى الله عليه وسلم ويعطي على الرفق ما لا يعطى على غيره أن النتائج التي تتحقق إذا اتبع الإنسان أسلوبا رفيقا في الوصول إلى غايته أفضل وأكثر من النتائج التي يحققها العنف.
وإذا كان الرفق خلقا إسلاميا عاما ينبغي أن يسود علاقات الناس ومعاملاتهم، فإن أولى الناس به أطفالنا تلك الثمرات الطيبة الرقيقة البريئة التي يتعامل معها المربون أيا كان موقع الواحد منهم ممن يتولى تربيته.
والحاجة إلى الرفق كما يوضح الدكتور العوا لا تبرز حين نكون فرحين بذكاء أطفالنا وتفوقهم وحسن إدراكهم للأمور، أو حسن تصرفهم مع الآخرين، ونحن لا نحتاج إلى تذكير أنفسنا وتذكير الآخرين بالرفق وضرورته حين يكون الطفل، أو الناشئ ملبيا لما يطلب منه عمله، أو منتهيا عما يطلب منه تركه، أو ناجحا في دراسته مواظبا على استذكار دروسه. فالرفق في هذه الحالات ثمرة طبيعية للرضا عن سلوك مطلوب أو تفوق محبوب.
لكننا نحتاج إلى الرفق حين يبدو على الطفل ما نظنه غباء، أو تقصيرا في العمل، أو الفهم والتحصيل، حينئذ تطير عقول كثير من المربين فلا يجدون إلا العنف أو التهديد به ليخوفوا الطفل.
وسيلة عقيمة
وقد تنجح هذه الوسيلة القيمة على حد وصف الدكتور العوا مع بعض الأطفال في بعض الحالات فيظن المربي أنها هي الوسيلة الناجحة دائما، ومع الجميع. وينسى هؤلاء المربون من آباء وأمهات ومدرسين أن الأسباب التي تؤدي بالطفل أو البالغ إلى هذا الموقف لا حصر لها ولا عدد، وأن علاج الغفلة أو التقصير أو سوء السلوك يتنوع ويتعدد بمقدار تنوع الأسباب وتعددها، وأن أخطار اللجوء إلى علاج وحيد في جميع الحالات أكبر ألف مرة من فوائده إن كانت فيه فوائد وأن شأن الذين يصنع هذا شأن الطبيب الجاهل يعالج من الأدواء المستعصية ومن نزلات البرد بدواء واحد، فإما أن يقتل مرضاه جميعا، أو يقتل الغالبية العظمى منهم.
وهنا يحذر د. العوا من العنف والقسوة في التعامل مع الصغار ويقول: إن العنف يحطم الشخصية، ويفقد الإنسان الثقة بنفسه، ويورثه كره الذين يمارسونه معه، ولا ينشئ إلا إنسانا جبانا يخاف ولا يستحي، ويطيع رهبة وخوفا لا رغبة وحبا، وينفذ ما يؤمر به رعبا من العقاب لا اقتناعا بجدوى الصواب. وحين نقابل هذا الشخص في الحياة وقد كبر ونما على العنف منذ صغره، ويمارسه كل يوم مع الآخرين، نلوم كل شيء وكل أحد، وننسى أننا نكرر ذلك الصنيع كل يوم فنسهم في زيادة عدد هؤلاء القساة في الحياة يفسدونها ويذهبون بكل معنى جميل فيها بالعنف الذي وضعناه نحن وهم صغار في غير موضعه.
تمرد الصغار
ونحن نحتاج إلى التذكير بأصل الرفق وأهميته في التربية كما يقول الدكتور العوا حين يبدو على الطفل أو الناشئ مظهر من مظاهر التمرد أو العصيان وهو أمر كثيرا ما يحدث من الفتيان والفتيات لا سيما في مرحلة المراهقة، وعندئذ يفوت كثير من المربين أن هذا التمرد الظاهر قد يكون في حقيقته مظهرا من مظاهر النمو والرغبة في الاستقلال والإحساس بالقدرة الذاتية وهو بهذا الاعتبار يحتاج إلى رعاية وعناية وحسن تعهد وسداد توجيه، فيؤتي ثمرة طيبة يكون الآباء والمربون أسعد الناس بها وأشدهم فخرا.
ويحذر د. العوا من سلوك بعض الآباء والأمهات والمربين في المدارس الذين يواجهون التمرد والعصيان من الصغار بالقهر والكبت، ويجبرون الصغار على فعل ما يرونه هم صوابا حتى ولو أدى ذلك إلى استخدام القسوة دون سماع لآرائهم أو وجهة نظرهم، ويقول: إن الكبار بهذا السلوك المرفوض يسهمون في صناعة خاسرة تقدم للأمة أجيالا من القردة المدربة، أو الحيوانات الأليفة وما أتعس أمة هذه هي صفة رجالها ونسائها.
ونحن نحتاج إلى تذكر الرفق مع صغارنا حين يستبد بنا الغضب، ويعصف بخلقنا الضيق لسوء تصرف أتاه الطفل أو الشاب، أو كرره، برغم سبق نهيه عنه. حينئذ لا يجد كثير من الناس إلا يدا غاضبة أو طائشة تمتد إلى هذا الناشز تريد تقويمه، وهي لا تدرك أنها بهذا تكسره أو تحطمه، لكنها لا تصلحه ولا تقومه. وهذا الغاضب الذي عصف غضبه بأناته وعقله ينسى أن الرفق في هذا الموضع أفضل ألف مرة من العجلة، وأن التأمل في سبب عوج السلوك، أو التواء التفكير، كفيل بأن يضع اليد الحانية الصادقة المخلصة على سبل أخرى للعلاج تلتقي مع الأصل الإسلامي الصحيح إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره وتلتقي مع الحديث الصحيح: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
وصور الرفق في التربية النبوية كما يوضح الدكتور العوا لا تكاد تحصى كثرة وتنوعا وقد شملت الكبير والصغير والطائع والعاصي، والقريب والبعيد، والعالم والجاهل، والعدو والصديق، والمخطئ في العبادة والمخطئ في العادة حتى يصدق أن سلوكه صلى الله عليه وسلم وسيرته في التربية كانا رفقا محضا في المواقف كلها، وهكذا أنشأ ذلك الجيل الرباني الفريد الذي حمل رجاله ونساؤه نور الإسلام وهداه إلى الدنيا كلها.
حدود الرفق
لكن الرفق في التعامل مع الصغار والمعاملة الحانية مع الأطفال لا يعنيان إطلاقا التجاوز عن أخطائهم وإهمال تأديبهم وتهذيبهم ومعاقبتهم على تجاوزاتهم السلوكية إذا لزم الأمر حتى يتربوا على الفضائل ولا تكبر معهم الأخطاء والتجاوزات الأخلاقية التي يرتكبونها في مرحلة الطفولة والمراهقة.
ويقول د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: تأديب الصغار وتربيتهم على الفضائل وأداء الواجبات الدينية والدنيوية واجب على الآباء والأمهات وإذا تخلوا عن هذا الواجب أثموا إثما عظيما لأنهم أهملوا حقوق أبنائهم، وأفضل ما يتركه الأب لابنه في الحياة الدنيا أدب حسن وخلق كريم، لكن لا بد أن يكون التأديب والتهذيب في إطار منهج التربية الإسلامية، فالشدة مطلوبة لكن لها وقتها الذي لا يصلح أي سلوك أو تصرف آخر مكانها، والرفق مطلوب في كل المواطن التي يحقق فيها هدفه، وهو أساس التعامل بين الكبار والصغار، لكن إذا لم يحقق الرفق هدفه واستغل الصغار تسامح الكبار وانحرفوا أو تيقن الكبير أن الصغير بهذه المعاملة الرقيقة الحانية سوف تفسد أخلاقه وينحرف سلوكه ويتحول إلى عنصر فاسد في المجتمع، هنا تكون الشدة واجبة والحسم ضرورة دينية تفرضها المسؤولية التي جعلها الله عز وجل في أعناق الآباء.